قبل أن تتابع: الأحداث الواردة فيما يلي متخيلة، ففي زمن القهر لم يبق لنا الا الخيال نحلق به، وهي لا تمت الى الواقع المرير الذي يعيشه أطفال فلسطين بصلة، مع التمني بأن «تمت» ذات يوم قبل ان «تموت» كل البراءة.

الحكاية كلها بدأت من سان فرانسيسكو. كنت وبترا وديفيد نحث الخطى سريعا باتجاه «متحف اليهود للفن المعاصر». اراد ديفيد، وهو مهندس معماري، ان يرينا ما اسماه «عبقرية»الانجاز الهندسي لشركة«دانيال ليبسكند» والذي تجسد بكسوة جزء من المبنى اتخذ شكل «المكعب» بأكثر من أربعة ملايين مجسا ضوئيا ممزوجا بحديد ازرق، الأمر الذي يتيح للسطح ان يتفاعل مع الضوء الخارجي ويغير لونه باستمرار:« كأنه جلد حيّ، لا يشيخ ابدا، تتجدد خلاياه طالما هناك بقعة ضوء في الفضاء. عدوه الوحيد هو الظلام. لم أكن مرتاحا كثيرا لزيارة هذا المكان، الا ان بترا، التي تعرف هوسي بالهندسة المعمارية الحديثة، اقنعتني بأن نمرّ الى جانبه، و«لا مانع ان بقينا في الخارج»، فهي تتفهم «حساسيتي» من زيارة الأمكنة التي تروّج الأفكار الأحادية، التي «تخنقنا بعنصريتها»، كما كررت عليها أكثر من مرة. لم اتشارك وديفيد قناعاتي الشخصية، فعلى كل، هي أيام قليلة ونغادر أميركا، ولا يتوجب علينا أن نبقى على تواصل ولو حتى على «الفيس بوك».

« بما انه لم يتم استخدام اي لون اصطناعي، فلون المكعب سيبقى كما هو ولن يشحب ابدا»، كان مستغرقا في الشرح، وكنت قد بدأت اقرأ بوضوح في كلامه عن الهندسة اسقاطات واضحة عن الايديولوجيا. لكن مفاجأة حصلت وغيرت مزاجي تماما. كان الإعلان الذي يحمل صورة القرد الشهير بموزته ودراجته الصفراء يشير الى معرض حكايات «جورج الفضولي» في الداخل. هذا القرد، هو بطل قصص الاطفال التي قرأها الملايين حول العالم، وتحديدا في الولايات المتحدة وأوروبا، وصنعت عنه افلام ومنه دمى وأشياء اخرى. ابتكره الزوجان اليهوديان مارغريت وأتش. اي. ري، قبل اكثر من نصف قرن، حين غادرا باريس على دراجة، هربا من القوات الألمانية النازية، وطافا بها دولا ومدنا كثيرا، قبل ان يتمكنا من الوصول الى الولايات المتحدة بعد رحلة معاناة استمرت اربعة شهور. هناك نشر الزوجان سلسلة قصص الأطفال عن القرد الافريقي «جورج» (اسمه الاصلي فيفي) ومغامراته، وحمّلاها رسائل ومعاني كثيرة مستمدة من المعاناة التي عاشاها منذ تركا مجبرين ديارهما الفرنسية. وعلى مدى عقود، باتت حكايات «جورج الفضولي» هي الاكثر قراءة في غرف الابناء ما قبل النوم، تحكي عن القرد المحب اللطيف الذي يضطر أن يتنقل باستمرار، هربا من القسوة والظلم والاضطهاد:« تماما كما هي سيرة اليهود في تاريخهم الطويل»، يقول ديفيد، وقد بات الكلام مباشرا الآن، فيما افكر مذهولا بالعنوان الصغير الذي حمله الملصق:« مغامرات جديدة لجورج الفضولي في فلسطين»!

(يتبع)