ليس الغسيل علة. وفي الصباحات المشمسة، حيث لا برد يهري العظام، ولا حر يدلق العرق، يبدو لي طقس الغسيل مفرحا. وبوسع القماش المبلل، زاهي اللون، عطر الرائحة، أن يحضك على الفرح. بوسعك أن تلهو مع ملاقط الخشب. تمايلها على الحبال كما يمايل النغم فراشا على خشبة البلوشوي. حين تثبتها على الياقات وحواف القطن، تشعر أنك تثبت ما تخشى ان يزول. ان يذهب في الريح، في «الفضا»: «كان ماضي منيح بس مضى، صفا بالريح بالفضا»، مؤلمة هذه الترنيمة من اغنية فيروز، لكن الملاقط بوسعها ان تواجهها. لماذا على «الخبز، الملح، الرضى»، أن تصبح دوما من الماضي؟ لماذا لا نثبتها كي تبقى حاضرا معاشا يضفي الى الأيام وهجها. هل من المستحيل أن تثبت الملح، الخبز، الرضى؟ حبل غسيل منشور عليه الملح والخبز. مشهد سوريالي ملائم لمزاج رائق صباح يوم عطلة هادئ. مزاج يجعلك قادرا على الابتكار أكثر: قليل من رقيقات «الشيبس» بنكهة الملح، تضعها في علبة اللبنة التركية المجبولة بالقشطة، تكسّرها بالملعقة، تخلطها، وتأكل ما تظن انه أطيب وجبة «سناك» عند الظهيرة. تقرر أنك ستكتب عن هذه الوصفة «الشهية»، فربما التقطها أحد المحترفين على «الفيس بوك» وأودعها قائمة طعام في مطعم ما في مدينة في بلد ما. الغسيل يجف بسرعة. حين تزيح الملاقط عن الحبل تلتقطها بسرعة كمن لديه مفاتيح كل الاقفال. تأتي على كومة من القمصان، من الحكايات، الذكريات، الأمسيات.. حيث لكل قميص ذكرى شراء وهدية ولبس وتعر.. تقبل عليها، تفك الملاقط عنها، تهجم الحكايات عليك دفعة واحدة. تصير تحرك رأسك إلى الخلف وفي جميع الاتجاهات، كأن رشاش ماء داهمك أو قفير فراشات يداعبك. تضحك بصوت عال. يصير جارك على الشرفة المقابلة مدهوشا ثم متحسرا على جنون ما بعد الظهيرة الذي يجتاح الحي. تقرر أنك في المرة التالية سوف تتروى أكثر فيما تفك الملاقط، وتهضم كل حكاية على مهل. لماذا لا تزول الحكايات المعلقة على القمصان مع ذرات الصابون والسائل المعطر؟ تسأل نفسك باستغراب: «انها جلد آخر غير مرئي لنا، لا يزول مدى الحياة، وإن زلنا».
تلعب بالملقط. تضغط الابهام الى السبابة. فيفترق العودان تحت الضغط. كم يدوم هذا الضغط؟ دقيقة، اثنتان.. لكن العودين، كعاشقين سرعان ما يعودان الى الاتحاد. طالما أن السلك الموصول عند الوسط لا ينفك، فهما سيعودان كل مرة، مهما اشتدت الضغوط. حين ينكسر السلك الرابط عن مستوى القلب، يصبح الملقط لا قيمة له. يتخلى الملقط عن اسمه، فيغدو مجرد عود خشب منسي، يستخدمه طفل ليسد بع وكر نملة، انو يجرفه مطر، أو تدهسه عجلة سيارة، أو تدسه امرأة تحت رجل كرسيها لكي يتوقف عن الهز!
في صباح مشمس، حيث «الشيبس» يلائم اللبنة، والملقط يلائم الهوى، جرب الا تستمتع الى أسطوانة فيروز الجديدة. أجل ذلك ليوم آخر!