«بيتي في ساحة الكراكون. في عكا القديمة. بيت أبي وجدي. ولدي صالح يعيش معي. يحلم بالزواج. يخاف من موتي. لو متّ سيطردونه من البيت. لو تزوّج سيطردونه أيضاً. لا أعرف ما العمل؟ حين احتل اليهود حارتنا أجبرونا على أن ندفع إيجاراً شهرياً للبيت الذي نسكنه. بيتنا الذي نملكه بتنا فيه مستـأجرين، لقاء المحافظة عليه. ارتضيت بهذا الذل، لكي تظل رائحة أبي في فنائه، وفي صدري، عابقة كتراب الأرض التي ولد وتربى ومات فيها. كان، حين يأتي من الحقل، والشمس تلملم آخر خيوطها من عتبات الزقاق، يحتضنني ويقول: غداً تكبر وتتزوج امرأة صالحة تأتي لي بأحفاد يزرعون هذا البيت ضحكاً وسلاماً. لم يعش أبي لكي يرى صالح. لكنه ينظر إلينا كل مساء ونحن نتعشى تحت صورته في الدار. لم يعش لكي يرى العسس يأتون كل ليلة إلى البيت، يجولون تحت الشرفة. سماسرة وملاك عقارات يعاينون الأحجار التي بناها بطين مجبول بالعرق، تلك التي سالت عليها دماء وليدي محمود برصاصة جندي إسرائيلي، قيل إنها «طائشة». كان محمود يلاحق النمل إلى وكره، وطائرة الورق ملفوفة حول عنقه، حين اخترقت قلبه الصغير الرصاصة. ظنوا أن وكر النمل متفجرة فقتلوا الطفل وسالت دماؤه على الحجارة. لم تمسحها أم ناصر. لم تلحق. مسحت أنا جبينها الطاهر، قبلته، وكفّناها. ماتت من الحسرة. كانت لتتحسر أيضاً لو رأت مندوبي شركة «عميدار» يصوّرون البيت وينشرون الصورة في الصحيفة، مع عبارة «للبيع في مزاد علني». يبيعوننا في المزاد العلني ونحن أحياء. لا يقتلوننا، لا تسيل دماؤنا لتكمل خريطة الحب على حجارة البيت، لكنهم يبيعوننا. إما المزاد العلني وإما أن نشتري بيتنا بمبالغ طائلة. لو باع ناصر سمك البحر كله، ما كان بوسعه أن يفي ربع ثمن ما يطلبوه. نحتاج الى كل السمك في بحر عكا لكي يشتري لنا بيتنا العتيق. نحتاج الى جنيات وملائكة وابطال من الأساطير لكي يرفعوا عنا هذا الظلم.. بالأمس رجعت من المصنع منهكاً. معلمي اليهودي قال لي إننا عرب أذلاء، مهانون. كان يتحدث عن حريق جبل الكرمل الذي اشتعل في إسرائيل ولم تتمكن قواتها من اخماده فتقدم رجال من الدفاع المدني الفلسطيني وعاونوهم. لا أدري لماذا فعلوا ذلك. اليهود يشعلون الحرائق منذ عشرات السنين في أرضنا ونحن نعاونهم على إخماد حريق في أرضهم. يقولون إن مسؤولاً اسرائيلياً أراد أن يحضر فلسطينيون حفل تكريم جرى لعناصر الأمن الإسرائيلي. أن يكافئهم على المعاونة. لكن الجيش احتجزهم على المعابر. هل هناك أكثر من ذلك؟ حتى المساعدة حين ارتضوا بها رفضوا الاعتراف بالفضل. قال رئيسي في المصنع: أنتم يا حج ابو صالح أذلاء وستبقون كذلك مهما فعلتم، ولو شبت نيران جهنم في جبل الكرمل. في تلك اللحظة شعرت بالنيران تحرق كبدي. وأردت لو تطلع من جسدي لكي تحرقه. لكنني مسكت أعصابي، فأنا بحاجة إلى تلك الفكة التي أحصل عليها لقاء عملي المضني في المصنع طوال الثلاثين سنة الماضية.. ابني العزيز صالح، الموت يحيط بنا، التهجير حكايتنا المستمرة. أمك تناديني وقد اشتقت إليها. مع السلامة».