جذور

حقائق في وثائق: أنظمة المرور في الإمارات والمنطقة - 2

في الحلقة الأولى من هذا الموضوع تطرقنا إلى البدايات الأولى لتعرّف أهالي منطقة الخليج على المركبات الجديدة، وما صاحب ذلك من تغيّر في أماكن السير، وتبدّل في طرقات القوافل القديمة. وما نتج عن ذلك أيضاً من استغراب في الوهلة الأولى.

ومع الانتشار في استعمال العربات بدأت المشاكل، وهي:

الحوادث الأولى

بما أنّ مثل هذه المركبات تفقد توازنها، وتختلّ إطاراتها، وتنحرف عن مساراتها، فإنّ الحوادث في مثل هذه الأحوال لا بدّ من وقوعها، ولهذا بدأت تظهر آنذاك حوادث السيّارات القاتلة من انقلاب وانحراف وتدهور وسقوط، وينتج عن ذلك هلاك عدد من الناس. وكأنّ ذلك أتى ليضيف وسيلة من وسائل فقدان الحياة في الساحل الهادئ المسالم.

وقد تمتّعت دبي بتنظيم أفضل للعبور والمركبات وتخصيص سيّارات للأجرة تتحرّك بين الشارقة ودبي وبقيّة المدن على الساحل. وكذلك ظهرت سيارات الأجرة في الشارقة، وكانت تسلك المسار نفسه، وبلا شكّ فإنّ هذا المسير لا يخلو من صدامات وحوادث وإصابات.

وقد استُعملت العربات كذلك في مطاردة المعتدين على الآمنين في القرى الصحراوية، وهو تطوّر لأول مرّة يحدث في 4 يونيو 1946 حين أمر الشيخ سعيد بن مكتوم رحمه الله بمطاردة بعض المعتدين في دروب الصحراء علّهم يدركونهم ويستردّون منهم ما استولوا عليه.

سيّارات مستعملة

ومن طرائف المراسلات الخاصّة بالمواتير تلك الرسالة المؤرّخة في 23 أكتوبر 1946 صادرة من المقيميّة البريطانية في البحرين يرد فيها أنّ سيّارة جديدة من نوع (Ford pick-up) واردة من الولايات المتحدة إلى البحرين، وهي جاهزة للشحن إلى ميناء الشارقة. وفيها بأنّ هذه السيّارة أفضل من تلك المستعملة من النّوع نفسه.

وفي السياق نفسه فإنّ البريطانيين استعملوا هذه المركبات في كل شؤونهم بل وخصّصوا بعضها لنقل البريد. وكلّما زادت أنواع السيارات في المنطقة، كلّما زخرت الوثائق بالإشارة إليها، فهناك الـ pick-up، والصوالين، واللوريّات.

ومن الأمور الملفتة أنّ المسؤولين البريطانيين أنفسهم قد ارتحلوا على ظهور الإبل وجابوا أرض الإمارات من أقصاها إلى أقصاها، وقاسوا مسافات الدروب بين المدن والمناطق الداخليّة. ولهذا فإنّهم حين استعملوا السيّارات للتنقّل اتبعوا تقريباً الدروب والمسالك نفسها التي كان تطرقها الدواب من قبل.

سيّارات الشيوخ

وفي رسالة للمقيم السياسي في الشارقة بتاريخ 5 يونيو 1943 موجّهة إلى المقيم السياسي في البحرين، يقدّم له فيها قائمة بأنواع السيارات لدى الشيوخ في دبي والشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأمّ القيوين وكلبا، وسنوات صنعها، وحالاتها الآنيّة، وأوضاعها، والعمل المخصّصة له، بعضها سيّارات أجرة، وأغلب سنوات صناعتها هي عام 1938، وأغلبها من نوع فورد.

ثم يلحق بهذه القائمة قائمة أخرى بقطع الغيار التي تحتاجها سيّارات الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله، حاكم دبي آنذاك.

ثم بقطع غيارات سيّارات الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، رحمه الله، حاكم الشارقة حينها، ثم قائمة أخرى بقطع الغيار المطلوبة لسيّارات الشيخ شخبوط بن سلطان، رحمه الله، حاكم أبوظبي وقتئذ، تتبعها قائمة أخرى تخصّ الشيخ راشد بن حميد، رحمه الله، حاكم عجمان حينها، تليها قطع غيار سيّارات الشيخ أحمد بن راشد، رحمه الله، حاكم أمّ القيوين آنذاك.

وتختتم الرسالة بقائمة قطع الغيار المطلوبة لسيّارات الشيخ سلطان بن سالم، حاكم رأس الخيمة في ذلك الوقت. إضافة إلى حاجات سيارات المعتمديّة وبعض عِلية القوم. ومن الجدير بالإشارة أنّ هذه قوائم طويلة، ومنسّقة، ومُعدَّة بدقّة متناهية.

حينها تساءلت كم من الوقت استغرق طباعة كل ذلك، مع الأرقام المتسلسلة، وأرقام كل قطعة، والعدد المطلوبة منه. ثمّ يأتي الجواب متسلسلاً كذلك يحدّد الموجود والمتوفّر من قطع الغيار. بل لم تتوقّف المراسلات عند هذا الحدّ إذ تمّ مخاطبة المسؤولين في حكومة الهند البريطانيّة، وتتمّ مخاطبة دار الاعتماد في بوشهر كذلك، وهكذا دواليك، ويظلّ الإنسان يقرأ حتى يشعر بالدوار.

ومن ضمن التقارير التي يدبّجها المسؤولون البريطانيون زيارات الشيوخ لبعضهم البعض أو قيامهم بزيارات خارجيّة لبقيّة دول الخليج العربيّة، وهنا تثبت التقارير أنّ هذه الزيارات كانت تتمّ عبر استخدام السيارات، وإلا لما تمكّن الشيوخ من العودة إلى إماراتهم في اليوم نفسه.

ومَن يراجع تلك القوائم الطويلة من قطع الغيار مدوّنة باللغة الإنجليزيّة يجدها نفسها في المُتَدَاولَة بين النّاس، وهي التي تسرلبتْ بسربال اللهجة المحلّيّة، وأصبحت جزءاً من منطوق الأهالي في الإمارات، ومن هذه الألفاظ والمصطلحات والتراكيب:

مكينة وچازكيت وبريكات وكرنكيس وسير بنكة وليتات وأويل بنب وسلندر وبَلَكات وبِتْري وراديتر وولف وتاير وتيوب ورِنچات وچير ودَبَل واسْبيْر وآيل وبترول وچِلَن وهِندِل بريك وفِيلتَر إلى غير ذلك من التراكيب التقنيّة والفنّيّة الخاصّة بقطع غيار السيّارات التي طوّعها الأهالي نطقاً وصياغة ورسماً. بل دخلتْ في الأشعار والاستشهادات والأمثال والأخبار.

تعاميم وتنظيمات

وفي حقيقة الأمر، ومنذ تلك الفترة لم تكن الدروب معبّدة، ولا الطرقات مسفلتة، وحينها لم تكن تُعرف أنظمة المرور في الإمارات، ومع ذلك، وشيئاً فشيئاً بدأت تنتشر تلك المركبات بين الناس، ويشيع استعمالها بينهم. ولكن مقارنة بالبحرين آنذاك، كانت الأوضاع تأخذ منحى آخر، وأكثر ارتباطاً بالتنظيم والتأهيل سواء كان للكوادر البشريّة أو للطرقات والدروب.

إذ أنّه ومنذ 18 جمادى الثانية 1358 هــ الموافق 2 أُغسطس 1939 كان يوجد في البحرين إطار تنظيمي عام للسير والمرور وسياقة المركبات الحديثة.

وفيه تحديد لنوعيّة العربات، وتسجيلها، ورخص السياقة، والتدريب، وتقديم طلب للتسجيل ورخص القيادة. وفيها توجيهات وإرشادات للسائقين، ملّاك العربات، إضافة إلى الزواجر والعقوبات وتطبيق الغرامات على المخالفين لأنظمة المرور والسّيْر.

وفي اعتقادي أنّ هذه اللائحة رائعة ومتكاملة ومتوافقة مع ذلك العصر، وهي في الوقت نفسه تدلّ على ما حصل من تطوّر إداري في البحرين في تلك الفترة، إضافة إلى التوافق مع متطلّبات العصر.

بل وسبق ذلك في 20 فبراير 1934 تعليمات أصدرتْها شركة النّفط البحرينيّة المحدودة لسائقي الشركة باللغتين العربية والإنجليزيّة، وهي رائعة لتلك الحقبة، وواضحة، وجليّة، فهي توصي السائقين بأخذ الحيطة والحذر عند السياقة في المنعطفات وفي القرى وبين بساتين النخيل. وعليهم استعمال بوق السيارة للتحذير، وتخفيف السرعة، وكيفية التجاوز، وكيفيّة التصرّف حين الأعطال والتوقّف المفاجئ.

وفي ذلك العام نفسه، صدرت تعليمات تتعلّق برخص القيادة، والرسوم المخصّصة لذلك. ومن الملاحظات التي صدرت من المعتمدية البريطانية في البحرين، أنّ الحكومة البحرينيّة تمنع منعاً باتّاً لأيّ شخص يسوق في الشوارع والطرقات بدون رخصة قيادة.

بل منعت الحكومة السواقة بدون رخصة قيادة صادرة من البحرين. وتقوم درويات الشرطة بتفتيش السيارات وضبط السوّاقين المخالفين. ومَن عنده رخصة قيادة صادرة من حكومة أخرى عليه تقديمها للجهة المختصّة لإقرارها.

وفي عام 1935 تمّ إقرار فحص النّظر، وصلاحية السائق من حيث حاسّة البصر. ثمّ تطوّر الحال إلى تنظيم لوحات السيّارات ووضوح أرقامها، وأحجامها. ووصل الحال إلى أنّ الإدارة في البحرين تلفت أنظار المسؤولين البريطانيين بضرورة الالتزام بنظم السير والمرور ووضع لوحات السيارات، وعدم السياقة بدون رخصة أو لوحة سيارة. وكانت ضريبة تركيب اللوحة عام 1936 لا تتجاوز ثماني آنات.

ومع تحرّكات المركبات في شوارع البحرين المختلفة نتج عنها عدد من الحوادث والاصطدامات أدّت إلى وقوع إصابات وخسائر مادّيّة. مع أنّ الجهات المختصّة بالسير والمرور كانت تنبّه دائماً وتحذّر السائقين من السرعة والأوزان الزائدة.

1959

ظهر نظام المرور في الكويت في 31 ديسمبر 1959، وفيه تعريف بالمركبات وأنواعها وأوزانها ورخصة القيادة، ومستوياتها، وتسجيل السيّارات، وسيارات الأجرة، وقوانين السير على الطرقات والدروب والشوارع، وملكيّات السيارات، والمخالفات والغرامات.

قصة البدايات

استغرقت عملية بداية ظهور أنظمة المرور وقوانين السير في الإمارات، هو ما تشير إليه الوثائق البريطانيّة المحفوظة في الأرشيف الوطني بأبوظبي، والمدوّنة في كتاب "ذي غالف غازيت آند سوبليمنت": " The Gulf Gazette and Supplement"، لعدّة سنوات، وكان قانون السير والمرور الصادر من السلطة البريطانيّة في الخليج بعنوان: قانون المرور الخاص بإمارات الساحل لعام 1955.

وفيه تعريفات للجهة المختصّة، وهو الوكيل السياسي أو نوّابه، و«المركبة» هي كل العربات ذات المحرّكات التي تعبر على شوارع وطرقات الإمارات. وهذه العربات بأنواعها، سواء لنقل الأفراد أو للشحن، وبمختلف أوزانها.

وفيه إشارة واضحة إلى رخصة القيادة، وهي استحقاق لكلّ مَن تجاوز السادسة عشر من العمر، وهو من أهالي المنطقة. وفيه كذلك أنّ على المتقدّم للرخصة أن يخضع للاختبار، ولكلّ نوعيّة من العربات رخصتها الخاصّة بها. ومدّة الرخصة عام واحد قابل للتجديد بطبيعة الحال.

إقرا أيضا: 

حقائق في وثائق: أنظمة المرور في الإمارات والمنطقة - 1

طباعة Email
تعليقات

تعليقات