قصر الحصن.. شاهد على تاريخ مجيد ومكانة رفيعة - البيان

جذور

قصر الحصن.. شاهد على تاريخ مجيد ومكانة رفيعة

صورة

مرّ قصر الحصن بعدد من الأحداث والتطويرات والإضافات، وما هو عليه الآن بلا شكّ يختلف كثيراً عمّا كان عليه في السابق منذ البدايات الأولى لتأسيسه.

كما أن ما جرت عليه من تعديلات وإضافات وتحسينات في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان، رحمه الله، تعدّ الأكثر، وهي الأوضح شخوصاً حتى الآن.

ولكن من المؤكّد أنّ قصر الحصن عند تشييده وعلى أسسه الأولى كان مربّع الشكل، له مدخل شمالي مقابل البحر، وبوّابة ضخمة مستطيلة الشكل.

ومن خلال وصْف المقيم السياسي البريطاني جيمس ماريسون (James Morrison) عام 1835، في عهد الشيخ خليفة بن شخبوط، نتبين أنه كان الحصن مربّعاً، وزعم ماريسون أن قصر الحصن لا تبدو عليه التحصينات الكبيرة التي تجعله منيعا حينذاك. وهذا الوصف المقتضب يدلّ على أنّ للحصن أسوارا، وأنّه على شكل مربّع، وأنّه مبنيّ من المواد المتوافّرة في البيئة.

وفي عام 1868 ذكر القائد البريطاني تال أن حاكم أبوظبي، آنذاك، وهو هنا يقصد الشيخ زايد بن خليفة، وضع ثمانية مدافع من الحديد الزاهر والنحاس الأصفر أمام بوابة قصر الحصن. دون أن يتطرّق تال إلى الوصف العمراني للمبنى الذي شاهده.

وكما أشرنا في الحلقة الماضية، فإنّنا لا نستبعد أن الشيخ زايد بن خليفة قام بإحداث إضافات أو تحسينات أو تقوية للجدران. ومن الملاحظ أنّ القائد تال لم يلفت انتباهه سوى تلك المدافع الموضوعة أمام بوّابة قصر الحصن.

1901

وفي 2 مايو سنة 1901 زار رجل الدين الأميركي الشهير صمويل زويمر أبوظبي، وذكر بأن سكان أبوظبي أقل من عشرة آلاف شخص، غالبيّتهم من العرب. ويسكنون في بيوت من السعف، ما عدا بعض البيوت المبنيّة من الحجر والطين كقصر الحصن الذي يسكن فيه الحاكم.

ووصف زويمر البلدة بأنها تقع على امتداد الساحل في حوالي ميلين، وأن صنعة السكان الرئيسة هي الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك. وقد حظي زويمر ومن معه بكبير الترحيب والإكرام إذ جرى إنزالهم في بيت مبنيّ من حجر، وكانت تأتيهم ضيافتهم على كل وجبة من الحصن. وقد التقط أول صورة فوتوغرافية لقصر الحصن.

«الدجّة»

وكانت أمام قصر الحصن من الخارج مصطبة مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض، وهي المعروفة محلّيّاً باسم: «الدجّة» أو «الدكّة»، وهي عادةً ما تقام عند مدخل البيت أو أمام الباب الرئيس للاستراحة. وتشيّد من موادّ خشبية أو حجرية.

وتوجد غالباً في المباني المدنية والعسكريّة، وتعتبر من العناصر المعمارية المهمة في التخطيط لاستخدامها في الراحة والحراسة، وتمتاز بها القصور والبيوت، سواء كانت في الخارج أو الداخل.

ولها أهمّية في البيت حيث يجلس عليها بعض أهالي البيت وتخصّص أيضاً لجلوس الحرس والضيوف قبل دخولهم البيت. ومن أشهر الصور المثبّتة فيها الدّكّة، تلك الصورة الشهيرة التي التقطها المصوّر الألماني هرمان بورخارت (Hermann Burchardt) في زيارته للخليج العربي عام 1904، والتي يظهر فيها الشيخ زايد بن خليفة الفلاحي، وحوله أبناؤه ورجاله متّكئون على دكّة أعدّت كبرزة لاستقبال الوفود والزائرين.

وصف معماري

فيما يبدو أن قصر الحصن في تصميمه الهندسيّ القديم كان له مقام وفق مخطّط أرضيّ مربّع أو شبه مربّع أو يميل قليلاً للشكل المستطيل. وكان به برجان أسطوانيان متقابلان يتموضعان في الزاويتين الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية، ويصل بين البرجين سور قصر الحصن الخارجي.

وقد فتحت في هذين البرجين فتحات مربعة لإطلاق النيران، وفتحات بارزة لسكب السوائل الملتهبة. وهي خصيصة دفاعية في كلّ الأبراج المقامة على أرض الإمارات، بل تعدّ أهم خصيصة لهذه النّوعيّة من الاستحكامات العسكريّة. وهي تعتبر بمثابة الدفاع وردّ الاعتداء. ولا يُستبعد أنّ هذين البرجين كانا ضمن العمارة الأولى لقصر الحصن، ويظهران في الصورة التي التقطها زويمر.

ثم أضيفت إليه ثلاثة أبراج أصغر حجمًا. كما شُيّد بناء من طابقين إلى يمين المدخل الرئيس للحصن، يحتويان على غرفة واحدة كبيرة، وفي الواجهة الأمامية شُيّد مبنى آخر من طابقين، وبين المبنيين بني البرج الثالث، وقد أحيط المبنى بسور خارجي. وبالقرب من البرج الجنوبي الغربي، يوجد مبنى مستطيل الشكل مكوّن من طابقين، وهو مرتفع بعض الشيء عن مستوى ارتفاع البرجين الأسطوانيين، وهو في الوقت نفسه أعلى من السور، ويقابله مبنى ثانٍ مستطيل الشكل أيضاً، مكوّن من طابقين، وهو في ارتفاع المبنى الأول.

كما يوجد مبنى ثالث مستطيل الشكل كذلك، يتموضع في الزاوية الغربية الجنوبية من الحصن بموازاة السور الجنوبي، وهو في مستوى ارتفاع المبنيين الآخرين، ولكنه أكبر مساحة منهما. ومن المحتمل أنّ الأبراج الثلاثة الصغيرة والبرج الثالث الكبير والطوابق الأخرى مع غرفهما تمّت إضافتها بين عامَي 1901 و1930 أو إلى قُبيل الإضافات الكبرى في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان.

الإضافات والتجديدات الكبرى

في عام 1950 قرّر الشيخ شخبوط بن سلطان، حاكم أبوظبي حينذاك، توسعة القصر إلى أربعة أضعاف مساحته السابقة، وإحاطته بسور ضخم وأبراج قوية. وفيما يبدو، فإنّ هذه التوسعة أتت بعد حدوث نوع من الانتعاش الاقتصادي الذي شهدتْه الإمارة آنذاك، إضافة إلى رغبة الشيخ شخبوط بن سلطان في إبراز الجانب الحضاري المعماري للبلد المتمثّل في قصر الحصن، وهو المكان الذي يستقبل فيه الزوّار من عرب وأجانب، وهو نوع من إضفاء المهابة المعماريّة، وإبراز الناحية الماديّة أمام النّاس.

وقد أصبح القصر حينها مكوّناً من طابقين فسيحين، وأضيف للحصن برجان أسطوانيان قرب الأبراج القديمة، واستخدم لأول مرة الإسمنت في البناء. وهو تغيّر معماريّ ملحوظ حيث دخلت هذه المادّة في العمارة المحلّيّة في تلك الفترة ثم شاع استعمالها بعد ذلك. بالإضافة إلى استخدام أخشاب الجندل المجلوب من شرقيّ أفريقيا، وهي الأخشاب الشائعة في التسقيف، إضافة إلى الأحجار المرجانيّة التي لا يُستغنى عنها.

وكما استُعمل الجص، والرمال المصفّاة في تثبيت الأحجار المرجانيّة، وذلك بدلاً من الجير والإسمنت. وهنا ملمح معماريّ جيّد حيث إنّ مادّة الإسمنت قد لا تتوافق مع الأحجار المرجانيّة لاختلاف التركيب الكيميائي فيما بينهما على عكس الجصّ والرمال.

3

أضفت التحسينات والتحديثات المتواصلة على قصر الحصن، الكثير من الجماليات والركائز التي عززت أهميته ورمزيته وقيمته..علاوة على أدوارها وجوانبها التراثية والمجتعمية والوطنية. ومن بين أهم المعالم العمرانيّة المضافة لقصر الحصن، في خمسينيات القرن الماضي، نظام التهوية التقليدي المعروف بــ«البارجيل».

إذ يعتبر وجودها بهذا التصميم الأول من نوعه في مدينة أبوظبي آنذاك. وقد استغرقت عملية البناء والتجديد في القصر في تلك المرحلة، نحو ثلاث سنوات. وبالتالي أصبح الحصن الحالي بناءً ضخماً يغطّي مساحة 6675 مترا مربعا.

تفرد

يرفل قصر الحصن بسمات عمرانية وجماليات متفردة. ومن بين ذلك تميزه بزخرفته الإسلامية الرائعة... وقد تحولت عمارته وأبراجه، بفضل ملامحها الجمالية النوعية، نموذجاً معماريّاً لبناء المساجد الحديثة في إمارة أبوظبي حاليّاً.

ونجد القصر في وقتنا الحالي، وعلى الرغم من تغيّر المعالم حوله، وارتفاع الأبنية والأبراج الحديثة حوله، لا يزال يقف صامداً يعلن أنّه مهد تاريخ المنطقة..وعنوان العراقة والفخر والمجد والمنعة.

اقرأ أيضاً:

«قصر الحصن».. أصالة التاريخ وعراقة الماضي

أسفار أهل الإمارات.. قصص تواصل وحكايات كدٍّ وعطاء

أسفار أهل الإمارات.. قصص تواصل وحكايات كدٍّ وعطاء

«البوسطة» همزة وصل القلوب المتباعدة

أحمد بن ماجد رمز وطنيّ وإرث حضاريّ

تحقيق المخطوطات منهج علمي ثابت وخطوات تكفل المصداقية

كتاب «تاريخ المستبصر» (2-2).. رحلة علمية في ربوع الجزيرة العربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات