لوحة «آكلو البطاطا» المعتمة.. لماذا هي الأهم في العالم برأي النقاد؟

van_gogh_potato_eaters

كثيرون من كتبوا عن «آكلو البطاطا» للهولندي فنسنت فان غوخ، هذه اللوحة العبقرية المظلمة في ألوانها والكئيبة في شرحها الغائر فيما تشهد من جزئيات ودقائق تستحق الإسهاب والبسط في تحليلها، بل ويستوجب وبجدارة إدخالها المناهج المدرسية لما فيها من أبعاد إنسانية وعمق غير محدود لفكرة الإنسان المنسي، مروراً بمظهر من مظاهر الفقر في صبره وصلاحه الاجتماعي، الغائص في ضميره الإنساني، وانتهاءً بمستوى العدالة أو مقدارها في عالمنا الذي نعيش.

وجبة

رغم مضي 133 عاماً على رسم هذه اللوحة، ورغم أنها لم تلفت نظر المهتمين بالفن آنذاك، لكنها باتت الآن مؤثرة في وجدان كل من يراها أو يزورها وهي معلقة في متحف فان غوخ الشهير، في العاصمة الهولندية أمستردام، لتعد أشهر وأهم لوحة في نظر النقاد، لتلك الأسرة المعدمة والمضيئة في جلستها، والمجتمعة على تلك الوجبة (البطاطا) الساخنة والقهوة الرديئة.

عظام بارزة

لوحة أشبه بخيال رغم واقعيتها، ونحن نعلم أن الفلاح في القرن التاسع عشر وحتى قبلها، وفي معظم بقاع الأرض، يعمل من الشروق إلى الغروب مقابل وجبتين من الطعام، حيث لا تأمين صحياً أو إجازة أسبوعية كما هي امتيازات هذا اليوم، ليقوم الرسام فنسنت فان غوخ المعروف بإنسانيته العالية التي لم يستوعبها مجتمعه، برسم هذه اللوحة التي أعدها لتكون من أهم مشاريعه الفنية، وكأنه يثبت لنفسه الاحترافية القصوى من خلال لوحته النادرة «آكلو البطاطا» ليصف فيها الحياة القاسية كغيره من الفنانين الجادين فيما يسعون، وعن ما يجري في بلادهم من واقع قاسٍ، وخاصة مع الفلاحين الذين هم أساس الحياة المالية والشبع في المجتمعات الماضية، وذلك قبل انتشار الصناعة والآلات... رسمهم بوجوه جافة وبارزة العظام، هؤلاء الخمسة في شخصيات متنوعة ومن عائلة واحدة، يجتمعون على صحن البطاطا غير المقشرة، وهي المكافأة الأهم بعد نهاية يومِ عملٍ شاق.

ضوء

في تلك النظرات الساهية والخائفة والهلعة، تنتشر الصدمة بقوة في كل اللوحة، ومع تلك الألوان المعتمة تبقى اللوحة مشرقة رغم ظلمتها، بعد أن أنقذها فنسنت فان غوخ بضربات فرشاته على التفاصيل الدقيقة، ليخرج الضوء من منتصف اللوحة وينير وجوههم بشكل مميز للغاية.

ضوءٌ مفعلٌ من مصباح زيتي أعلاهم وكأنه شعاع يبتغي ضياء هذه الجلسة، فيبدون وكأنهم آتون من زمن آخر، بين أن يكونوا أشباحاً أو ملائكة، ويبقى البريق الظاهر والمتمرد من محيط اللوحة، ليترك الخارج وما يحيط باللوحة، يا له من تأثير ضوئي استهدفته ضرباته الساحرة رغم الأصباغ الداكنة، هذه التفاصيل التي يجهلها العديد من الرسامين في وقتنا الحاضر، أستطيع أن أقول إنها فعاليتها التأملية عالية التأثير.

الزرع والحصد

لقاء العائلة اليومي على الطعام في كل بقاع الأرض، يعد نظاماً اجتماعياً مقدساً، وقد اختار فان غوخ هذه اللحظة التي من المفترض أن تكون لحظة مريحة وسعيدة بعد عمل يوم طويل، لكن الواقع ليس مثالياً دائماً، تماماً كما هي هذه اللوحة، فبعد أن زرعوا هؤلاء وحصدوا الحقل، تأتي النتيجة في أن يحظوا بالفتات من حجم هذا الحصاد الهائل، فهل ظفروا على طعامهم بطريقة عادلة؟ لتبدو فكرة اللوحة مسترسلة بعمق في كل نواحي الحياة، وتتكرر منذ القدم إلى يومنا هذا في تلك الوجوه الخشنة، في مقدار العمل ومقدار ما نملك.

ألوان التراب

«آكلو البطاطا» هؤلاء الناس الظلال أو الخيال في أرض الواقع والآتون من زمن آخر، يأكلون من ذلك الصحن الضئيل وهم من قاموا بزرع الأرض، وحصد الكثير منه ليرسم فان غوخ البطاطا غير مقشرة والساخنة، وكأنها رسالة صريحة وواضحة عن أحوال هؤلاء، خاصة أنه استخدم خمسة ألوان فقط، وهي الألوان الترابية، من الرمادي والبني المخفف والأخضر الداكن والأصفر بدرجاته... كلها كما نرى تتحرك في ضوء المصباح الأصفر، إن لم يكن المصباح يحرك الألوان، والهدف هو استنارة وجوه الفلاحين وأياديهم المتعبة البارزة في عظامها والمعلقة في طبق البطاطا، وبالطبع لم يكن فنسنت فان غوخ الوحيد الذي رسم الفلاحين وهم يأكلون البطاطا ليعبر عن مآسيهم في ذلك الزمان، فقد سبقه غيره، إلا أنه تعمد طريقته الداكنة كي لا تكون مثالية أو جميلة، بل كئيبة وصادمة، ليصل إحساس هؤلاء الفقراء لكل من يراهم، هذه الوجوه النفطية الشاحبة والمرهقة والوجلة التي تعاني من القادم المجهول، يأكلون طعامهم بشرف ونزاهة وصدق، فمن أجل هذا الطبق فعلوا الكثير، رغم تراكمات الخوف بداخلهم وما يمكن أن يكون الغد إن لم يكن هناك عمل، فلن يكون بطاطا.

في هذه اللوحة الدامسة التي لم تلفت اهتمام أحد حين رسمت عام 1885م، هي الآن أيقونة من أيقونات فكرية متعددة، وجديرة بقراءتها سرداً ونقداً ومعنى... لهذه العائلة النادرة المرسومة بلون البطاطا.

 

وجوه

من الواضح أن الوجوه كلها متشابهة، ليس فقط في كآبتها، بل حتى في ملامحها وتقاطيعها، فمن الأنوف البارزة في أرنبتها، وفي الأحداق الغائرة... يبدو لنا الرجل على يسار اللوحة الذي نستطيع أن نخمن بأنه رب الأسرة والمسؤول، بسبب تلك العيون الغائرة والتي تنظر إلى اللا شيء، والسارحة في أفكار مهمومة عن الغد ربما أو ما جرى له في يومه من أعمال شاقة... رسمه فنسنت فان جوخ خالداً بكمده، لتتأمله السيدة التي بجانبه والتي لا نعرف مستوى القرابة التي تجمعهما بين أن تكون أخته أو زوجته، تبقى بنظراتها ووجهها المرسوم بهلع تشاركه هذا الخوف وتحس به.

أما الآخر فرغم أنه يبدو أكبر سناً منه، لكنه يحمل قسطاً من الامتنان وهو يمد فنجان القهوة أمام السيدة ذات الوجه الخشن بهموم قد سكنتها إلى الأبد وهي تصب القهوة بتركيز كئيب في أربعة فناجين أخرى لبقية الأفراد، تظهر وكأنها منحته وعليه أن يكتفي، بينما هو الممتن الوحيد ويريد المزيد.

من تلك الوجوه الخمسة ترك لنا فنسنت فان غوخ وجهاً وحيداً خافياً، ليدع الخيال لنا، فكيف من الممكن أن يكون وجه الطفلة في هذه الأجواء، والأطفال في هذا العمر أكثر فرحاً من الكبار وأقل ألماً مما يحدث لكونها ما زالت صغيرة ولا قدرة لها أن تستوعب كل ذلك الألم، ليصعد بخار البطاطا في وجهها، لكن ومن جلستها وهيئتها البريئة فإنها تشعر بالحب والبهجة.

تحتاج الوجوه إلى دراسة كاملة وهي في عالمها وعما يجول في بالهم، حيث لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل، فهل هذا هو الطعام العادل الذي يستحقونه؟

 

المسكن العشوائي والساعة الزمنية المعلقة

المنسيون في هذا المسكن العشوائي

 

بعيداً عن تفسير الضوء الساقط على هؤلاء الأفراد وهم يحلقون حول صحن البطاطا، فإننا لا نغفل القلق الذي حولهم وهم في منزل مهترئ وصغير يشهد على حياتهم المهملة، فهو قديم جداً وبني كما يبدو بعشوائية شديدة، فمن جهة لن نعرف من يستند إلى الآخر، العمود يساند السقف أم السقف يساند العمود، أمام تلك النوافذ المختلفة عن بعضها وحجمها فمن المؤكد أنها لم تفتح منذ زمن، ومن جهة أخرى فإن السقف المنخفض المرسوم لا يبدو آمناً، ومن الممكن أن لا يصمد طويلاً وينهار... كما أن الساعة المعلقة خلفهم، ربما تكون متوقفة، أو دعونا نقول إنها بلا أهمية، فقد نسيهم الزمن إلى غير رجعة.

 

تفاح الأرض والقهوة بديلاً عن محصولات أخرى

أنتجت الأرض الهولندية أشهى الثمار وما زالت، وقد عبر الرسام عن البطاطس في زمنه لا تفضيلاً على الخبز، بل لأنها الوجبة الأساسية والأشهى والأكثر رغبة لدى الهولنديين، وبالتالي أصبحت مع الزمن أهم عنصر في المطبخ الهولندي في القرن التاسع عشر، خاصة للطبقة الوسطى والفقيرة.

تفاح الأرض الهولندية

 

كانت البطاطس تؤكل أكثر فأكثر، وتنتشر آفاقها وتزداد رائحة الشبع فيها، لتصبح ملء العيون في نهايات ذلك القرن، وتتحول البطاطس بديلة عن الخبز والعصيدة والفطائر خاصة للفقراء بسبب ضعف المحاصيل وارتفاع أسعار الحبوب، ولا بد أن نشير هنا أن الترجمة الحرفية للبطاطس في اللغة الهولندية هي تفاح الأرض، وهكذا استدرجت في القلوب لتصبح القهوة رفيقة البطاطس لا الخبز.

 

مئات الدراسات لغوخ قبل رسم اللوحة

قام فنسنت فان غوخ بمئات الدراسات قبل القيام بمشروعه هذا، لأنه كان مدركاً تماماً ما أراد فعله عن حياة الفلاحين، ليطلق نفسه بين الفلاحين، ماكثاً بينهم، ويراقبهم ويرسمهم رسومات مختلفة كدراسة مطبوعة يقوم بها كل حين ومدة وشهور، بهدف الإحساس بالحياة الصعبة في تلك الطبيعة. كان يدرك أن ما يفعله يعادل دراسة الماجستير، ولم يدرك أن المئات من دراسات الماجستير خرجت بعد وفاته عن هذه اللوحة التي لا نهاية لشرحها.

ربما يكون هذا الكوخ الذي رسمه فان غوخ هو المنزل لتلك العائلة في اللوحة

 

ولم يستطع فنسنت ألا يرسم تلك الأيادي إلا كما رآها متسخة وبعظام بارزة في صحن البطاطس، وبنغمات ترابية من فرشاته التي كانت ترج على وجوههم وأصابعهم باللون البني الأسود، سعياً للسفر في جلودهم المحترقة في الشمس.

 

1853

ولد فنسنت فان غوخ في هذا العام، ليصبح أبا الفن الحديث بأسلوبه الفني والشخصي جداً، وحسه العميق بقضاياه الواقعية، لتتجلى واقعيته في الداخل، وكأنه يرسم مخبأً لحيوان أو كهف مجهول.

 

5

خمسة ألوان فقط استخدمها في هذه اللوحة، للتعبير عن مشاعره وعاطفته تجاه هؤلاء، لكنه استخدم معظم درجات تلك الألوان لطلاء الزوايا الهامشية في حياتهم، وبالتالي نال المجد فيها.

 

37

توفي في هذا العمر الشاب لتذهب موهبة كبرى بوفاته، لكنه حصل على اعتراف عالمي بعبقرية لوحاته ورسائله الإنسانية عن الفلاح ويومياته ومعيشته وحياته الميكانيكية في الحقول.

 

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم تصدر كل اثنين

تعليقات

تعليقات