قراءة حول أهدافهم السياسية والفكرية

مستشرقون لبسوا ثياب الحج إلى مكة

مكة في القرن التاسع عشر الميلادي

لم يكن من السهل قبل قرن أو قرنين من الآن، أن يدرس المستشرق الغربي شرقنا العربي إجمالاً، إلا إذا تنكر لفكره ظاهرياً، لحرصه الشديد على ألا تضيع إمكانياته المعرفية الهائلة وما استأثر به من آداب ولغات تعنى بهذا الشرق دون زيارته والتبحر به، خاصة مدينة مكة التي كان السفر إليها أصعب من بقية المدن، لتبدو لكل مستشرق مدينة كالحُلم، يتطلع لها ليكتب عن ذلك الفكر الإسلامي، وكيف انطلق من هذا المكان للعالم؟

مكة دون حج

نجح مستشرقون عدة في الدخول إلى مكة بعد إعلان إسلامهم شكلاً، وإتقانهم لهجات عربية عدة، وبالتحديد الحجازية، لتحول بينهم وبين من يتعامل معهم بعدم الشك، فيبدون صادقين في تعاطيهم، وبالتالي يخوض أحدهم أبحاثه بثقة وهو يدرس على أيدي فقهاء الدين بمكة، ويصبح أمام كل الدراسات الإسلامية الممكنة وبفروعها، للتبحر في حقولها قبل انكشاف أمره، كما حدث ذلك مع المستشرق الهولندي «كريستيان سنوك هرخرونيه» عام 1884م حين زار مدينة جدة، وكان قد أتى بهدف، حيث أراد الكشف عن إجابة لسؤال، وهو كيف تجعل شعائر الحج من حجاج إندونيسيا وبعد عودتهم إلى إندونيسيا، أن ينتهوا وهم ثائرون ضد الاستعمار الهولندي فيها، خاصة أنه كان مستشاراً لحكومته الاستعمارية الهولندية في الهند والشرق ومنها إندونيسيا، وهو الضليع باللغات السامية إلى درجة الدكتوراه ومن أقدم جامعة بهولندا وهي جامعة لايدن، حيث كانت أطروحة دراسته حينها عن (الاحتفالات والمراسم في مكة) ونجح فيها بتقدير عالٍ، بالإضافة إلى تمكنه من اللغة العربية، حتى تم انتدابه إلى إندونيسيا ليخدم توسع بلده هناك، وهكذا حتى رحل إلى مكة في تلك السنة، مع حماس شديد لدراسة الإسلام، ليشهر إسلامه ويتقن اللهجة الحجازية ليثبت رغبته الشديدة للحج.

كريستيان سنوك هرخرونيه أتقن اللهجة الحجازية

 

خطأ القنصل

دخل هرخرونيه مكة وظل بها أكثر من ستة أشهر، واستغل تلك المدة ليدرس على يد فقهاء الدين، لكن قبل أيام الحج بفترة غادر مكة، حيث اكتشف أمره، بسبب القنصل الفرنسي في جدة الذي تفوه بكلمات بقصد أو من دون قصد في مجلسه، لتوحي به تلك المفردات جاسوساً ويصبح محل شك في إيمانه، حتى أن شريف مكة آنذاك قال إنه لم يأت لأداء الشعائر بل لأغراض أخرى.

خرج من مكة بعد شعوره بأنه غير مرغوب فيه، لكنه خرج بمخطوطة شهيرة كتبها باللغة الألمانية «صفحات من تاريخ مكة» والذي تناول فيها تاريخ مكة بمختلف جوانبها سياسياً واجتماعياً ودينياً. ليستغل هذا المستشرق الفرصة في أقصى أقصاها، لا في مكة فحسب، بل في إندونيسيا أيضاً حين تزوج فيها مرتين من مسلمات وبنات عائلات محافظة ومؤمنة وتحرص على زيارة الكعبة، ليؤكد فيما بعد أن زواجه في إندونيسيا كان فرصة علمية لدراسة وتحليل الأمور الاجتماعية.

كان جاداً ومجتهداً، ووصل إلى مرامه في نهاية حياته، بعد اعترافه في رسائله العديدة بأنه تظاهر بالإسلام، وحثَّ بالقضاء عليه، إذ زعم أنه تبسيط لليهودية مع بعض احتوائه على بعض الإرشادات المسيحية، موصياً بنشر الإلحاد بين المسلمين.

إسباني في مكة

وذهاباً إلى مستشرق آخر ومن إسبانيا هذه المرة وبالتحديد من مقاطعةٍ كتالونية، «دومينيكو فرانشيسكو باديا»، والمشهور بـ علي باي العباسي فيما بعد، والذي تعرف القارئ العربي عليه من خلال الروائي والشاعر والصحافي الإسباني الشهير رامون مايراتا، ومؤلف رواية «مسيحي في مكة.. علي العباسي» التي ترجمت من الإسبانية لمعظم لغات العالم، ليسرد سيرة المستشرق «باديا» وكيف قرر خوض مغامرة علمية في مكة، بعد أن قرر أن يدخل الإسلام بهدف الاستفادة من علمه حول الإسلام، حتى نجاحه في تأدية الحج، رغم أنه مُنع من زيارة قبر الرسول، وهكذا إلى أن يستفيض الروائي في سرده، موضحاً التفاعلات السياسية والفكرية في شبه الجزيرة العربية، وفي القرن التاسع عشر المعجون بتداخلاته من صعود التيار القومي والإسلامي أمام التيار التركي.

دومينيكو فرانشيسكو باديا.. الحاج علي باي العباسي

 

شغف البحث

كانت فترة دخول باديا (علي باي العباسي) إلى مكة وجزيرة العرب من الفترات المتغيرة وبشكل سريع، ففي عام 1807م، أي في زمن الدولة السعودية الأولى، دخل باديا إلى السعودية بشغف الباحث فلم يترك أمامه أمراً إلا وقام بتسجيله ووصفه بدقة، برسمه المساجد وقياسها بمقاييس دقيقة، مروراً بالجغرافيا وذكر أسماء النباتات والأشجار والأسواق وماء زمزم وجبل عرفة والأجواء الصحية، والمرأة المكية التي تمتاز بحرية الملبس أكثر من المدن الإسلامية الأخرى... وعاد ومعه كتاب ينصح بقراءته بعنوان: «رحالة إسباني في الجزيرة العربية» وبترجمة الدكتور صالح السنيدي.

جاسوس قام بأهدافه

يبقى باديا جاسوساً قام بأهدافه من أجل خدمة المملكة الإسبانية، بعد رحلته الاستكشافية إلى المغرب وليبيا والجزائر ومصر وجزيرة العرب والشام، مما أزعج ذلك الاستخبارات البريطانية ليدسوا له السم في العشاء وهو في دمشق عام 1818م، خاصة أنه كان جاسوساً سياسياً لا فكرياً، ومن الممكن أن يضر بمصالحهم.

 

«رحلات فارتيما».. الحاج يونس

حسب ما هو مدون ومكتوب عبر هذه القرون الفائتة من أخبار، فإن أول مسيحي أوروبي يحج إلى مكة هو الإيطالي «لودفيكو دي فارتيما» وذلك بعد دخوله مكة عام 1503م، حيث نجح في تصنيفه الإسلام المقدس حسب رأيه الذي يشبه رأي المثقفين الغرب في ذلك الوقت، فوصف مكة باعتبارها منطقة مقدسة من خلال ذلك المعبد المربع الجميل المغطى بالحرير الأسود، والذي يشبه «الكولوزيوم» في روما كما ذكر، ومن ناحية أخرى صنف مكة كمنطقة تجارية عالية المستوى.

لكن أثناء وجود فارتيما في الحجاز، تم التشكك فيه بأنه من الممكن أن يكون جاسوساً برتغالياً مسيحياً، لا تاجراً كما ادعى من خلال اسمه الجديد «الحاج يونس»، فحدا به إلى التظاهر بأنه رجل مملوك وأنه قادم من سوريا وقبلها من الهند، معللاً بأنه حارب البرتغاليين الذين قاموا بمذبحة لركاب سفينة الحج على يد المستكشف الجغرافي فاسكو دي جاما عام 1503م، ليهدئ فارتيما وضعه بهذا التمويه.

غلاف كتاب لمسار رحلة فارتيما

 

يمضي الوقت وتحوم الشكوك حوله من جديد، فيساعده أحد تجار مكة للإبحار من جدة والخروج من جزيرة العرب... أما ما يعنينا اليوم فهو تركه مخطوطة مهمة بعنوان «رحلات فارتيما»، أو كما أطلق عليها العرب «رحلات الحاج يونس» تضم الكثير من المعارف، واصفاً الطرق المؤدية إلى ثروات الشرق، بالإضافة إلى الأمكنة في تلك الحقبة، وأموراً نادرة ومهمة سياسياً وجغرافياً وثقافياً، لتبقى قليلة المعلومات عن حياته، ففي مخطوطته لم يذكر عن نفسه سوى النذير، مما يجعلنا أمام مستشرق ورحال، أما جاسوس فلا نستطيع أن نجزم ذلك، خاصة أن البعض يرجح حجه إلى مكة على أنه نوع من الفضول والمغامرة لا التجسس.

 

ريتشارد بيرتون.. حاج برتبة جاسوس

الملازم بيرتون.. الحاج بوشهري

 

حين كان العسكري الإنجليزي ريتشارد بيرتون ملازماً في الجيش الإنجليزي بالهند، لم يعجبه وضعه هناك وهو الممتلئ بحب المغامرة، ليضج في نفسه خاصة بعد أن أكمل الثالثة والثلاثين من عمره، فأراد انتحال شخصية مسلم ليحج إلى مكة، وكان ذلك في عام 1853م، ولأنه كان جاداً تحولت فكرته إلى الجمعية الجغرافية الملكية للتنقيب، ليأخذ موافقتها بشكل رسمي، ومن ثم إلى شركة الهند الشرقية البريطانية للحصول على إجازة من الجيش، ليتم تلقينه اللغة العربية والفارسية والهندوسية والبنجابية... وتعليمه تفاصيل العادات العربية والإسلامية، متنكراً في زي وشخصية حاجي ميرزا عبدالله بو شهري، إلى أن أدى مهام الحج في مكة كجاسوس.

 

شارل ديديه زار مكة كمعلّم وشاعر وروائي

ديدييه كَتَبَ الكثير عن مكة

 

حين قرر أسطورة فرنسا شارل ديدييه صاحب المؤلف الشهير «الإقامة مع شريف مكة العظيم» أن يعمل جولة كبرى في شبه الجزيرة العربية ومن ثم الحج إلى مكة، حينها كرس نفسه لهذه الرحلة والتي سيقضيها سيراً على الأقدام، فاشتغل على نفسه طويلاً في معرفة الأدب والتاريخ واللغات لتصبح رحلته مكتسبة وبشكل ملهم، وهكذا حتى نجح في أن يحج إلى مكة عام 1854م كمعلم وشاعر وروائي أيضاً، ليكتب بعد عودته ديوانين شعريين ورواية قدمت له النجاح والشهرة، وكتابين في أدب الأسفار والرحلات، وكتب أخرى ومقالات عدة قام بنشرها.

 

مستشرق ألماني تقوده بحوثه إلى حتفه

وصل الألماني أولريش جاسبر زيتسن إلى مكة في أكتوبر عام 1801م ليؤدي شعائر الحج بعد أن انقلب بمسماه إلى الحاج موسى، ومكث فيها مدة ستة أشهر، ليبحث في تاريخ المكان وهو الطبيب والصحافي والباحث والمهتم بالتاريخ الطبيعي للأرض والإنسان، ما دعاه إلى كتابة الكثير دون كلل أو ملل، رسائل وتقارير ومنشورات وأوراق عدة، وما إن تم نشرها في جمعية فلسطين البريطانية عام 1810م، حتى قتل في اليمن السنة التالية.

من الذي قتل زيتسن؟

 

تم الاحتفاظ بما كتب في مكتبة غوته بألمانيا، ولابد من قول إن زيتسن مرَّ على القسطنطينية وحلب والقاهرة والفيوم وفلسطين والأردن ومسقط ومخا... قبل الوصول إلى مكة.

 

1945

اكتشف الكاتب الأرجنتيني المعروف «خوخي لويس بورخيس» في المكتبة التي كان يعمل بها مخطوطة للمستشرق الإنجليزي «ريتشارد بريتون»، واصفاً إياها بأنها مرآة الكون كله.

 

1972

تحوّلت قصة المستشرق «ريتشارد بريتون» إلى سلسلة بحثية من إنتاج الـ «بي بي سي». كما تحولت إلى فيلم بعد رواية مكتوبة وسيناريو سينمائي لثاني مستشرق يحج إلى مكة.

 

1854

المستشرق الفرنسي «شارل ديدييه» حج إلى مكة في هذا العام كمعلمٍ وشاعرٍ وروائي، ليعود ويكتب ديوانين شعريين وكتاباً في أدب الرحلات، واستلهم رواية منحته شهرة واسعة.

 

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم تصدر كل اثنين

تعليقات

تعليقات