لم نتوقع يومًا أن شركة محدودة تتاجر بالسكر والوساطة في إحدى مناطق المملكة المتحدة، وتعمل لتتوسع في الكاكاو والقهوة، أن تساهم في مبادرة جليلة من نوعها فتكرس اسمها التجاري من خلال تقديمها جائزة بهدف الإرتقاء بأدب الخيال، لتساهم في هذا الشأن بغاية بالبرامج الهادفة إلى تحقيق المزيد من نسب قراءة كتب الخيال ذات الجودة الأدبية، ليتمثل ذلك في تقديمها جائزة مجزية تُسمى باسمها، تمنح لروائي إنجليزي كل عام دون شروط سوى أن يكون بريطانيًا والكتابة باللغة الإنجليزية، لتخرج إلى الحياة بذا، جائزة تدعى «بوكر مان الإنجليزية» إذ جرى إطلاقها عام 1968م.
تجارة وأدب
مجموعة مان أو شركة مان التي أسسها عام 1783م رجل إنجليزي يدعى جيمس مان، كانت شركة ناجحة منذ بداياتها، حتى توسعت في أعمالها وتقدمت فيما بعد على مستوى العالم، عززت الحركة التجارية التي تبلورت في تجارة السكر والقهوة والكاكاو، لتدخل هذه الشركة لاحقًا في مجال الوساطة التجارية، وتزاول كسبها المستمر حتى تصبح أكبر شركة للوساطة في البورصة، وقدمت فيما سبق من تاريخها، أموالاً للمستثمرين ومساعدات مالية وقروضاً، لتستفيد وتفيد التجار الصغار بمنحهم الدروس التجارية من أجل النجاح والسعة. وفي ظل هذا العطاء المستمر أخذت تستحوذ على اهتمامات الشركة النواحي الثقافية وتشجيع الأدب، لتقوم بتبني فكرة الجائزة الشهيرة والتي سميت باسمها «بوكر مان».

خارج الحدود
وكما ذكرنا أن جائزة «بوكر مان» والتي أصبحت عالمية في سمعتها ومعروفة كونها جائزة أدبية تمنح كل عام لأفضل رواية مكتوبة في المملكة المتحدة، أخذت تروج هذه الجائزة ومنذ إنشائها تجارة الكتب، لتتسع جغرافيًا مع الوقت، وتأخذ بُعدًا آخر نحو ايرلندا وجنوب إفريقيا ومن ثم زيمبابوي، ليتم توسيع أهلية الحصول على الجائزة بشرط كتابتها باللغة الإنجليزية فقط، وتخرج خارج حدود المملكة، وبالتحديد إلى المواطنين في دول الكومنولث، وهي الدول التي كانت جميعها ولايات تابعة للإمبراطورية البريطانية، كونها تتحدث اللغة الإنجليزية أو يكتبها مواطنوها، ليسمح لهم بالمشاركة في الجائزة، ولا مانع من قبول كتبهم وفوزها رغم ثقافاتهم المختلفة وهوياتهم المتعددة.
ثمن يُدفع
بات الشارع البريطاني ومثقفوه يجادلون في هوية هذه الجائزة الثقافية الرفيعة جائزة ال «بوكر مان» الإنجليزية وهي تختار الفائزين من تلك الدول التي تكتب عن ثقافتها وهويتها وتاريخها وآلامها. وإن كان التعبير إنجليزي اللغة، لكنها أخذت تخفي من خلال السرد والأحداث معالم الثقافة البريطانية الأصلية وهويتها الإنجليزية والتاريخية وحتى جغرافيتها الخاصة. وكما أرى، أن عليهم تأييد هذا التوسع، لكون بريطانيا الآن تبدو وكأنها تدفع ثمن احتلالها للعالم، فلا يمكن أن تعزل بريطانيا ثقافتها عن دول كانت تحتويها سياسيًا، ولا بد من احتوائهم ثقافيًا، لأن الاحتواء الثقافي جزء لا يتجزأ من الاحتواء السياسي.
قيمة وقدرة
جائزة «بوكر مان» حين انطلقت عام 1968، كانت تبلغ قيمة جائزتها 21 ألف جنيه أسترليني، لتجري زيادة مبلغ الجائزة فيما بعد إلى 50 ألف جنيه. ويلاحظ أنها لقيت اهتماماً بالغ الأهمية من القراء، لقدرة هذه القيمة على الترويج، بعد أن أثبتت لجنتها التي تتغير باستمرار، اختيارها لكتب ذات قيمة فنية لا تجارية طوال تاريخها، وهكذا بقي كتاب «بوكر مان» الفائز ذا ثقة.
بي بي سي
تبلورت الجائزة كمادة إعلامية، خاصة أن يوم الاحتفاء بالجائزة يقوم تلفزيون الـ بي بي سي سنويًا بالبث المباشر للحفل ليعرضه على الشاشة، كما أن إدراج الجائزة وما تصاحبها من تغطية لمبيعات الكتب أدى إلى زيادة المبيعات، بجانب ما يحصل عليه الفائز من ترجمة واهتمام وتسويق ونجومية، لأنها ليست من تلك الكتب التجارية الرائجة، لتظل القيمة الفنية لكتب جائزة «بوكر مان» مختلفة ومختارة بعناية من قبل لجنتها التي لا تجامل في قبولها أو رفضها.
حكايات الفائزين
ومن قصص الفائزين بها، الذين باتوا أبطالًا في مخيلة القراء، أنه في إحدى السنوات، وبالتحديد عام 1980م في لندن، رفض الروائي أنطوني بيرجيس مؤلف رواية «القوى الأرضية» حضور الحفل رغم أنه كان من ضمن الفائزين بالقائمة القصيرة الستة، ولكنه امتنع عن الحضور ما لم يتم تأكيد فوزه مسبقًا. فقد كان فوزه مرجحًا في المنافسة بينه وبين الروائي وليام غولينغ وروايته «شعائر الممرات» لتصبح هذه المعارك الأدبية مثيرة، وتصدرت صفحات الصحف الأولى أخبار هذا العناد المختلط بالثقة والغرور.
خوف
وفي عام 2001م حدث أنه لم يتم الكشف عن قائمة المرشحين في القائمة الطويلة مثل كل عام، والسبب رواية الروائي مارتن أميس الذي حذف فيما بعد من القائمة، فقد كان يتطلع دائمًا نحو أميركا، ونصوصه كانت تحمل الكثير ضد وطنه بريطانياً. وحدث هذا الحذف مرة واحدة في تاريخ الجائزة التي ترفض فكرة الفضائح لأنها لعبة غير نظيفة ولن تساهم في الأدب. وكانت رسالة واضحة من لجنة الجائزة ورئيسها، بأنك كي تكون فائزًا بالبوكر في مجتمع الأدب الإنجليزي الراسخ، فإنه عليك أولاً أن تكون مواطنًا. وفعلياً، كان لافتاً فوز القاصة الكندية أليس مونرو بالجائزة عام 2009م.
ورغم ذلك، فإن الأوساط الثقافية والأدبية بدأت تشعر بالخوف من الجائزة على هوية الأدب الإنجليزي الكلاسيكي.

سلمان رشدي وأطفال منتصف الليل
حصل سلمان رشدي البريطاني من أصول كشميرية عام 1981م، على جائزة «بوكر مان» عن روايته الشهيرة «أطفال منتصف الليل» التي تناول فيها مسيرة الهند مع الاستعمار البريطاني، وقد اعتبرها القراء مثالاً للأدب القائم على الواقعية السحرية.
ناهيك عن أنها رواية أدبية تاريخية بأحداث حقيقية. لم يتوقف الأمر على هذا، ففي عام 1993م احتفلت جائزة الـ «بوكر مان» بالذكرى الـ 25 سنة لنشوئها، لتقرر اختيار رواية «أطفال منتصف الليل» كأفضل رواية من بين جميع الروايات الفائزة سابقا. كما منحت هذه الرواية جائزة مماثلة عام 2008م تحت مسمى «أفضل البوكر» بمناسبة مرور أربعين سنة عليها، لتفوز مرة أخرى رواية «أطفال منتصف الليل».

الفائز الأول درسَ في القاهرة
كانت افتتاحية الفوز لجائزة «بوكر مان» في رواية «شيء للإجابة عليه» للروائي الإنجليزي بيرسي نيوبي. وهو روائي مثقف ومطلع على ثقافة الشرق. تدور أحداث روايته الفائزة في الأربعينيات من القرن الماضي، وتحديدًا في مدينة بور سعيد بمصر حين كانت ملكية الحكم، وأحداثها تدخل فيها الحكومة البريطانية، لتبدو الرواية سوريالية حالمة رغم المعارك بين الطرفين.
الفائز بيرسي بعد أنهى خدمته العسكرية وهو شاب، درس الأدب في جامعة الملك فؤاد بالقاهرة حتى عام 1946. واشتغل طويلاً في هيئة الإذاعة البريطانية: الـ«بي بي سي». ولديه الكثير من الكتابات عن الشرق مثل كتابه «قصة مصر» و«المحارب الفرعون» و«صلاح الدين في عصره».

سجال حول فوز فرنسي من أصول إسبانية
يان مارتل، الكندي الفرنسي اللغة، والذي ينحدر من أصول إسبانية نشأ في كوستاريكا والمكسيك ويتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، قدم روايته «حياة باي» للجائزة الإنجليزية «بوكر مان» عام 2002م لينالها باقتدار. ثقافته المتنوعة ورحلاته العديدة والمختلفة جعلت منه شخصًا غير عادي، فقد عاش في الشوارع وقرب حدائق الحيوان وفي الهند وتركيا وإيران، ودرس الأديان وارتاد دول العالم. فاز بالبوكر الإنجليزية وهو يقول إن الفرنسية هي اللغة الأقرب إلى قلبه، ليصبح فوزه جدلاً بين الأوساط الإنجليزية المعتدة بلغتها.
فكيف يفوز فرنسي برواية ليست عن إنجلترا بجائزة انجليزية

شركة «توماس مان» الخيرية
مقر هذه الشركة، الراعية لجائزة «مان بوكر»، في بداياتها كان في «هارب لين» الواقعة في «بيلينفيزغيت» وهي راسخة منذ نشوئها، لفوزها بالكثير من العقود التجارية، لتستمر في توسعها، لكنها أيضًا من الشركات المشهود لها في بريطانيا والعالم، لأنها قامت بمبادرات خيرية حقيقية، إذ أسست عام 1978م جمعية خيرية مسجلة ومستقلة تمول الجمعيات الصغيرة والمتوسطة الحجم، منها: جمعية خيرية لمحو الأمية، وتمويل برامج لدعم حصول المحرومين على التعليم، وتدريب المتطوعين لتقديم دعم القراءة في المدارس الابتدائية لرفع مستوى التعليم، ومعهد «أكسفورد مان» للتمويل مشروع مشترك مع جامعة أوكسفورد، ومجموعة «مان الدولية» لتغيير المناخ، وجائزة «بوكر مان» الإنجليزية، الجائزة العالمية للرواية العربية في أبوظبي بعد التنسيق بين مؤسسة بوكر والجهات المعنية في دولة الإمارات، وجائزة بوكر الروسية، وجائزة «كاين» للأدب الإفريقي.
2008
أطلقت أبوظبي الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر العربية» عام 2008. وتمولها «أبوظبي للسياحة والثقافة» وتدعمها «بوكر مان» الإنجليزية.
1992
تأسست في هذا العام جائزة بوكر الروسية الأدبية على غرار جائزة بوكر مان الإنجليزية، واللغة الروسية المكتوبة الشرط الأول فيها.
2000
جائزة كاين للأدب الإفريقي.أطلقت عام 2000، وتُمنح لكاتب إفريقي يكتب القصة القصيرة، شرطها اللغة الإنجليزية، وتعكس تطور القصة الإفريقية التقليدية.



