روّاد

صالح الأستاذ: خياراتي المختلفة شكّلتني

 تحرص «البيان» على المشاركة الفاعلة في المحافل والمناسبات الوطنية، وتسهم في توثيق الإنجازات المحلية التي من شأنها تعزيز مكانة الدولة في كافة المجالات.

ومن هذا المنطلق تشارك في رعاية المعرض السنوي الذي تقيمه جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في دورته الخامسة والثلاثين، وتم افتتاحه في 24 يناير الماضي، إذ يمثل المعرض نافذة على المنتج الفني الإماراتي والمحلي، الذي وثق من خلال مسيرته لتاريخ الحركة التشكيلية في الدولة.

وتضيء «البيان» من خلال نشر مجموعة من المقابلات مع رواد الحركة التشكيلية في الإمارات، على تجارب هؤلاء بموازاة التعريف بالبدايات والتحديات في هذا الحقل، وذلك في محاولة لإظهار التطور الذي شهدته الحركة التشكيلية منذ تأسيس الدولة وحتى الآن، وسنخصص هذه الصفحة لنشر عشرة حوارات متتالية، سيتم جمعها لاحقاً في كتاب خاص، بالتعاون مع الجمعية.

يعد صالح الأستاذ من الرعيل الأول في الحركة الفنية الإماراتية، الذين أسسوا مدارس خاصة بهم في مختلف أنواع الفنون، ومنها التصوير الضوئي بوصفه أحد الأركان الأساسية في الفن المعاصر. تدرجت علاقة الأستاذ بالتصوير من مجرد هاوٍ إلى أن تعلّم التصوير أكاديمياً ثم أصبح مصوراً محترفاً، إذ يؤكد أن التصوير لغة سامية لترجمة الواقع للناس.

البدايات الفنية

وفي مستهل حواره مع «البيان» حول تجربته، قال: عندما كنت صغيراً كنت أمارس حياتي بطريقة عادية، ولكن قد أكون مختلفاً في اختياراتي، ففي مرحلة الدراسة الجامعية كنت أغيّر في شكل ارتداء ملابسي، كما كنت أعمل بعض الحركات أمام المرآة لألاحظ التغيرات التي تطرأ على الوجه والجسم، وكأنه كان نوعاً من التجربة لاكتشاف الجديد.

صمّمتُ أروقة منزلي بطريقة مختلفة، واتسمت خياراتي بالجرأة، وهو ما كان يؤكد اختلافي، إذ وضعت رخاماً رملياً متماسكاً، ووضعت عليه ورنيش الخشب، وعملت تشكيلية مختلفة قد لا تتناسب مع البعض، ولكن بمنظوري الفني وظّفتها بطريقة مناسبة، إضافة إلى تجميع كل الأشكال المربعة وبألوان مختلفة في غرفة الجلوس.

درس صالح الأستاذ بالمعهد الإسلامي بعجمان، وكان لديه بعض الأصدقاء، يتذكر منهم عبد الله النوبي الذي أصبح فيما بعد مطرباً والممثل سعيد سالم. يتحدث عن تلك المرحلة قائلاً: كان هناك تنوع في المدرسة، مما أنتج تشكيلة مختلفة من الميول والتوجهات، وكان المعهد يحفز الطلاب عن طريق مبالغ بسيطة للاستمرار في الدراسة، لذلك كان هناك تجمع كبير ومختلف لطلاب من الشارقة وعجمان وأم القيوين، أنتج خليطاً غريباً وجميلاً.

وتابع الأستاذ حديثه: كنت أذهب إلى شارع العروبة بالشارقة في المرحلة الإعدادية عند استوديو فوتيك، وأسأل صاحب المحل الهندي عن كيفية التصوير والتحميض، وكان لدي استغراب من صورة كانت معروضة بالمحل، وهي عبارة عن رأس سمكة وأرجل إنسان، فأردت أن أعرف كيفية الدمج، وعلمني بعد فترة طويلة وإلحاح مني، وبعد الانتهاء من مرحلة الثانوية توجهت إلى طلب دراسة الفنون التشكيلية بالخارج لأستكمل شغفي بالفن والتصوير.

وأشار هنا إلى أنه يرى عموما، أن أعمال الفنانين يجب أن تكون قائمة على قواعد أساسية لا يجب أن تكسر..

ابتعاث واختصاص

وعن بداية حكايته مع الكاميرا قال: اتجهت إلى التصوير قبل ثلاثة عقود من الزمان، حين كنت طالباً في المرحلة الإعدادية، إذ كنت أحرص على تصوير كل ما تقع عليه عيناي من مناظر جميلة بشكل تلقائي وعشوائي، ثم أنقلها إلى ورقة ذات بعدين، وشيئاً فشيئاً نما شغفي اتجاه الولوج إلى غرف التحميض المظلمة لمعرفة ما يدور بها من علاقة فريدة بين المصورين.

وحول تعليمه الجامعي قال: درست الفنون الجميلة في جامعة «شايمان الأميركية» سنة 1979 بعد أن قدمت للابتعاث، متوقعاً أن يتم قبولي في السودان، لكن فوجئت بحصولي على الموافقة للدراسة في أميركا، وكان وقتها معي جاسم ربيع من شرطة دبي، وهو يعمل بطريقة مختلفة؛ فهو يعمل على مسرح الجريمة، ودائماً يبحث عن نقاط الجريمة، وليس عن جماليات الصورة والجوانب الفنية لها، وقد اكتشف طريقتي الخاصة في إبداع الصورة من خلال المصادفة، ففي إحدى المرات أثناء دراستي في الخارج كنت أعمل على تحميض بعض الصور في الغرفة المظلمة، فدخلت إحدى الطالبات وفتحت الإضاءة، وبحركة لا إرادية احتضنت وطويت الأوراق التي أعمل عليها، وطلبت منها إغلاق الإضاءة سريعاً، وبعدها تفحصت الأوراق، وإذ بها تعطي طبعات وأشكالاً وتركيزاً للون في أماكن معينة، فأعجبت بالشكل النهائي للصورة، فاكتشفت أن ثمة أساليب مشابهة لما حدث معي، ومنها اتجهت إلى عمل مختلف.

ويؤكد الأستاذ أنه لا بد أن يتمكن الشخص في البداية من الرسم، ثم يتجه إلى كسر الروتين والقاعدة في اللوحة، فعندما تتمكن من رسم البيضة وتقسيم العين والحواجب والأنف، بعدها تستطيع كسر القاعدة، وقد بدأ العمل على التصوير من الجانب العلمي والفني أولاً، ثم الغرفة المظلمة إلى أن غير أسلوبه الفني.

أساسيات خاصة

تخرج الفنان سنة 1984 كأول الخريجين الفوتوغرافيين الذين تم ابتعاثهم إلى الخارج في مجال التصوير، حيث درس القواعد الأساسية للصورة، وللأستاذ رأي في بعض الفنانين الذين يرسمون شخابيط على الورق، ويؤكدون أنهم يريدون الخروج عن القواعد، مؤكداً أن أي عمل فني له أساسياته الخاصة. ولفت إلى أنه ينصح الشباب بدوام الاصرار والمحاولة لتحقيق النجاح، حتى بعد فشل وراء آخر.

وعن نشاطاته الفنية قال: نظمت معرضي الشخصي الأول في كاليفورنيا عام 1984، وشاركت في معارض داخلية وخارجية، كما نشرت أعمالي في كتاب من إصدار المكتبة العالمية للتصوير الضوئي، ومن خلال تجارب عدة، وباستخدام أدوات غير اعتيادية، أصبح موضوع الصورة غير مهم بقدر أهمية كيفية تنفيذ الشكل النهائي للصورة وما الأدوات المستخدمة.

الرسم بالصورة

حكى صالح الأستاذ عن طبيعة تجربته ومنهج عمله منذ البدايات: كنت دائماً أحلم بأني أمشي على الماء، ومع التفكير بطريقة فيزيائية تأكدت من إمكانية تحقيق ذلك، قد تكون بعض الأحلام خيالية، والبعض الآخر قد يكون قابلاً للتحقيق، لذلك فإني دائم النصح لأبنائي أن ينتبهوا للأحلام ويطبقوها على أرض الواقع. وفي التصوير، يفضل الأستاذ التقاط الصور المعبرة عن الأحاسيس والمشاعر، التي تعبّر عن معاناة رجل مسن أو المشاعر المتباينة للمرأة أو بسمة طفل، إذ بإمكان المصور المحترف أن يلتقط الأحاسيس ويلامس أوتار القلوب عبر الزاوية التي ينظر من خلالها.

وتدرج الأستاذ في استخدام الكاميرات عبر رحلته مع التصوير، مؤكداً أنه في بداية عمله بالتصوير كانت الكاميرات المتاحة هي من مقاسي 120 و110 أحادية العدسة والثنائية، وكان يفضّل استخدام النوع الأخير، ثم ظهرت فئة 35مم، وكانت أكثر تطوراً وذات إمكانات عالية وتعطي صورة أكثر جودة، وهي جميعاً كانت تصنع في ألمانيا واليابان، أما الآن، فيستخدم الكاميرات الرقمية، وهي أسهل في الاستخدام وإمكاناتها غير محدودة مقارنة بما سبق.

وشدد على أهمية العدسات لكونها تمثل العيون الإضافية للمصور، موضخا أن الكاميرا تكتسب أهميتها وجودتها، تبعاً لنوعية العدسة وإمكاناتها، التي تؤثر بشكل رئيس في نقاء الصورة وجودتها، وعن التحديات التي واجهته أثناء التصوير ذكر أن الظروف والتقلبات الجوية تأتي في مقدمة هذه المعوقات، يليها مدى توافر كمية الضوء الملائمة لالتقاط الصورة بجودة عالية، لذا يعمل دائماً على اختيار أفضل الأوقات المناسبة للتصوير الخارجي.

تأسيس الجمعية

وعن بدايات تأسيس الجمعية، ذكر أنه في عام 1984 قدّم محمد يوسف دعوة له إلى الانضمام إلى الجمعية وحدد له في مقرها مكاناً لتحميض الصور، وهذا أسهم في عرض وتقديم وتقييم المواهب وتلاقح الأفكار عن التصوير. وعن مسابقات التصوير قال: على المصورين المحترفين الواثقين بأنفسهم إذ دلفوا مجال المسابقة ولم يفوزوا أن لا يغضبوا، لأن هناك سياقات محددة تُلزم لجان التحكيم باختيار الصور وفق معايير محددة، لذلك ينصح المصورين بقراءة شروط المسابقة بدقة.

نصائح للمصورين

نصح صالح الأستاذ المصورين الجدد بصقل مهاراتهم عبر المعرفة المتخصصة الأكاديمية في التصوير الفوتوغرافي وعدم الاكتفاء بالثقافة السطحية، مؤكداً أن المصور المحترف هو الذي يتبع المعرفة الأكاديمية أولاً، ثم يبادر بكسر القواعد بعد معرفتها رغبة منه في ولوج عالم الإبداع.

ويقول: أقمت العديد من الدورات وعملت على اكتساب ثقة المتدربين والقدرة على إيصال الفكرة والتركيز معي، وكنت أعمل في وزارة التربية والتعليم في إدارة الوسائل التعليمية، وكانت إحدى الدورات عن تخصص المهارات الإدارية لذوي التخصصات الفنية، وقد ساعدت كثيراً في مجالي الفني، ويؤكد أنه لا بد من الاطلاع على الجهود السابقة لنحقق نتائج أفضل لأننا نبني على ما قام به البعض، ولا بد من تقدير الأعمال الفنية السابقة ودراستها لنقدم الأفضل.

ذاكرة بصرية وأبعاد جمالية

تحدث الفنان صالح الأستاذ عن عشقه للرسم بالريشة وإنجازه العديد من اللوحات الزيتية، التي يرى فيها تقارباً شديداً مع عشقه للتصوير، لأن كلا النوعين من الفنون يسجل الواقع المحيط بنا، ويترجمه إلى ذاكرة بصرية ذات أبعاد جمالية، تبعث برسائل إلى جيلنا والأجيال القادمة، حول ما عليه الفن والمجتمع في الفترة التي يعاصرها المصور أو الفنان التشكيلي، والدليل الشديد الوضوح على ذلك اللوحات الخالدة التي رسمها فنانو عصر النهضة أمثال مايكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، ونقلت لنا مقدار الرقي الذي بلغته الفنون في تلك الأيام.

شارك الأستاذ في جائزة العويس، وفاز بها مرات عدة، ثم تقرر أن يكون ضمن اللجنة لاختيار الصور الفائزة وتقييمها، وعمل دورات عدة عن طريق جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وكان أول متخصص جامعي يعطي دورات في فن التصوير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات