عام 1968م اتجه الصحافي المصري، اللبناني الأصل، سليم زبال، والذي التحق بمجلة العربي منذ عام 1958م، بصحبة زميله وصديقه مصور المجلة أوسكار ديمتري، إلى جزيرة أبوموسى الإماراتية المحتلة حالياً، بغرض المشاهدة وتوثيق المكان صوراً وتعبيراً. ولا شك أن عملهما الشاق كان إنسانياً لما لهذه الجزيرة من عزلة وبُعد تاريخي وجغرافي وإقليمي مختلف، فعادا من هناك بخبر كامل وصور مدهشة ومفاجئة، نشرتها المجلة في عددها الصادر في شهر أكتوبر في السنة المذكورة.

أوكسيد أحمر

جزيرة أبو موسى الصغيرة في حجمها، والكبيرة في عطاء أرضها، كانت ومنذ قرون بعيدة وإلى بدايات القرن العشرين، مزدحمة بالآبار، ففي كل مساحتها كانت هناك مياه مائلة إلى الملوحة والاحمرار، مياه تصلح للزراعة في أرضها المتوهجة في لونها وحمرتها بين الطرقات وتربة الأراضي المشبعة بالأوكسيد الأحمر، وكل من يرى تلك التلال الحمراء من بعيد تتراءى له كالوهم، لكنها حقيقة في أرض لم تتعد الـ5 كيلومترات في عرضها، والـ7 كيلومترات في طولها، حيث تتكدس التربة الحمراء المشبعة بالأوكسيد في عروق الأرض كلها. هذا وكانت الجزيرة في القرن التاسع عشر مزروعة بالشعير والقمح والحبوب والبصل. فكانت تصدر تلك المزروعات إلى كل المناطق الأخرى المجاورة، إلى أن توقفت في الربع الأول من القرن العشرين، ما جعلها تتراجع اقتصادياً ويعود أهلها للصيد في البحر فقط.

شركات أجنبية

وإن تحدثنا عن الوجه الآخر للجزيرة، فالأمر يتعلق بثرواتها التي هيمنت وتهيمن عليها دول احتلتها ممثلة بشركاتها، وذلك بالتحديد بدءاً بالشركات الإنجليزية التي اشتغلت في مناجم الجزيرة حتى منتصف القرن الماضي، حيث إن المخرج الثمين من باطن الأرض، والأوكسيد الأحمر، والمستخدم في صناعة الطلاء الأحمر المانع للصدأ، أخذت منه الشركة الإنجليزية مدة أربعين سنة، مصدرة منه آلاف الأطنان، حتى انخفض الإنتاج.. وتبخرت بالتالي فرص العمل أمام أهل الجزيرة الذين كانوا في الأصل يتقاضون رواتبهم الهزيلة.

تمر الأيام وينهار الجبل على المنجم بداخله، ويموت عاملان ويدفنان في الأسفل دون أي تعويض من الشركة، إذ استمرت في رفضها ذلك لولا إصرار الناس هناك ومعهم حكومة الشارقة، ومطالبتهم للشركة وملاحقتهم لها لمدة طويلة. انسحبت الشركة بعد الانهيار، بعد أخذها آلاف الأطنان من ثروة الجزيرة المتمثلة في الأكسيد الأحمر الثمين. وبعد حفر تلك الشركة الأخاديد والوديان العميقة، دون أن تترك وراءها مدرسة للأهالي أو مستوصفاً، أو أن تشق طريقاً.. رحلت دون بناء، تاركة أخاديد كبرى خاوية يتأملها أهل الجزيرة، وتبقى أثراً لأكبر استغلال تعرضوا له، هم وثروتهم الكبرى.

أمل

بقي الأهالي على أمل أن تتحول جزيرتهم إلى مركز لتعبئة ناقلات النفط الضخمة، فلا بد أن يكتشفوا في أسفلها نفطاً، كبقية الجزر والسواحل، والتي بدأت بالتنقيب والتصدير، سواء في أرض الجزيرة أو في بحرها، لتأخذ آمالهم إلى أحلام كبرى، فلربما ما زالت الثروات مطمورة ومجهولة تنتظر مكتشفيها. لكن وما إن دخلوا عام 1968م، أتت شركة نمساوية كانت تفاوض الشركة الإنجليزية على أخذ مكانها واستخراج بقايا الأوكسيد الأحمر الممتد في شرايين الجزيرة ومجرى جسدها.

الستينيات

الحياة الاجتماعية في الجزيرة كانت قاسية رغم الغنى التاريخي لها، فالنساء كن يودعن أزواجهن حين الإبحار للصيد، ويبقين في انتظارهم حتى عودتهم قبل الغروب. وبعد أن رفض كثيرون من المعلمين العرب الذهاب لتلك الجزيرة والعمل بها، لكونها بعيدة ونائية وتفتقر إلى الخدمات، أصر المرحوم الشيخ خالد بن محمد بن صقر القاسمي، حاكم إمارة الشارقة خلال الفترة: من 24 يونيو 1965 إلى 24 يناير 1972، على بناء مستوصف ومدرسة للأهالي هناك، بدلاً من قيام بعض أهالي الجزيرة بإرسال أبنائهم ليتعلموا بمدارس الشارقة.

إحدى المعلمات العربيات، وهي فلسطينية من غزة، وزوجها معلم عربي من القاهرة، وافقا على التدريس في الجزيرة، فرحلا إليها حتى أصبحا صديقين لجميع الأهالي هناك. كما كان الشيخ خالد بن محمد بن صقر القاسمي، آنذاك، يقوم بشراء الأدوية إلى جزيرة أبوموسى ويرسلها إليها بنفسه. ليقوم المعلمان الزوجان بمداواة الأهالي، بجانب مهامهما في التدريس، وبعد أن أصبحت الجزيرة طاردة، وبعد أن أخذ الأهالي يهجرونها طلباً للرزق والعلم في الشارقة، توقف المعلمان عن المداواة فور أن توافرت الدراسة في مدرسة مستقلة والعلاج في مستوصف متخصص. فكانت المدرسة الابتدائية من أهم العوامل التي أعادت الحياة للجزيرة بعد استغلالها المتواصل من قبل الغرباء.

منازل الجزيرة

في الستينيات من القرن الـ20، كان عدد المنازل في جزيرة أبو موسى يصل المائة. وقد رحب الأهالي بالمعلمين ليزيلا عنهما الوحشة، وقد أحبا بدورهما أهل الجزيرة الذين بادلوهما الحب، وقامت المعلمة في بداية تلك الأيام بطرق جميع أبواب الأهالي، لتحثهم على الدراسة وليبدؤوا بالتعليم، بعد بناء حجرات خاصة للدروس، إذ كانت تفصل بين حجرة وحجرة ألواح كرتونية.

انتعاش الثروة السمكية بعد اندثار الزراعة بفعل المياه المالحة

بعد أن تم استغلال ثروات الجزيرة من قبل الغرباء، غدت الأرض عالية الملوحة، فماتت الزروع وكافة المنتجات الزراعية والحبوب التي كانت تصدر للخارج، من شعير وقمح وحبوب وبصل وتمور، فعاد أهل الجزيرة وبعد الربع الثاني من القرن ال20، إلى صيد الأسماك..واستخدموا الأقفاص ذات الفتحات الصغيرة، إذ تلقى في قاع المياه منذ الصباح وحتى المساء، لتباع تلك الأسماك بأغلبها لشركات أجنبية بثمن بخس، لا يساوي الجهد الذي تركوه خلفهم لعدم توفر الثلاجات في الجزيرة.

سليم زبال في «كنت شاهداً»: صور الحياة الاجتماعية الإماراتية

كتب سليم زبال الصحفي المشهور، وهو من جيل الرواد، عن جزيرة أبوموسى أثناء زيارته لها عام 1968م، شارحاً كيف أن الرحلة استغرقت أربع ساعات رغم قرب الجزيرة، وبانت وكأنها قطعة جبلية انشقت من البحر، ليصف أول الوصول عند قاع الشاطئ الشفاف والصخور الحادة البائنة الكفيلة بتقطيع أسفل السفينة، ليوجه النوخذة دفة السفينة للنزول الصحيح. ويبين الصحفي سليم زبال كيف كان يخوض في الصخور والتلال، ويصف المجتمع والبيوت والناس، فبقي ما كتبه موثقاً حتى يومنا هذا، إضافة إلى أنه من أهم الذين شهدوا وخبروا تاريخ الإمارات من عام 1960 إلى 1970م. ويحكي في كتابه «كنت شاهداً» عن مجموعة من الصور الإنسانية للحياة الاجتماعية والإنسانية لأبناء الإمارات في تلك الفترة.. ومن بينهم الأهالي في جزيرة أبوموسى.

أوسكار متري وتوثيق أحوال «أبو موسى»

أوسكار متري مصور مصري شهير، التحق بمجلة العربي المشهورة منذ عام 1960م، ليكون مسؤولاً عن كل الصور المنشورة، بدءاً من الغلاف وإلى تصويره المشاهد بهدف التوثيق. وفي عام 1968م، وبعد كان ورفيقه الإعلامي سليم زبال، في مجلس المرحوم الشيخ خالد بن محمد بن صقر القاسمي، حاكم إمارة الشارقة حينها، تحدثا معه عن رغبتهما في زيارة جزيرة أبوموسى بغرض تصويرها وتوثيقها، فلم يتردد في الموافقة، وقال لهما إنها درة إمارة الشارقة. وصعد المصور أوسكار متري على ظهر سفينة «الجلبوت» العربي والتقليدي، والتي كانت مزودة بمحركين سريعين، فوصل مع رفيقه إلى أبوموسى، ليلتقطا الصور النادرة والشهيرة إذ وثقا معها لمرحلة مهمة.

«أبله» سامية والأستاذ محمود

من القصص التي لا تنسى هي قصة المعلمين الزوجين اللذين غامرا بالذهاب إلى جزيرة أبو موسى النائية، آنذاك، وهما: أبلة سامية وزوجها الأستاذ محمود، اللذان كانا يطرقان أبواب الأهالي لحثهم على الدراسة في مدرسة بنيت من الأخشاب وأدوات بدائية بشكل مؤقت، ليصبح عدد الدارسين 45 تلميذاً و35 تلميذة. وكانا يقومان بتصويب الواجبات على دفاتر التلاميذ كل مساء على ضوء الفنر، كما كانا يداويان أهل الجزيرة بالأدوية المرسلة من الشارقة، وكانا يقومان بعدة أدوار أخرى مع ممارسة التعليم، لعدم وجود غيرهما، وحين تمر الأيام وتهطل الأمطار وينهار السقف في المدرسة، كان يستقبل الأستاذ محمود الطلاب في غرفته، ويحولها إلى فصل، إلى أن تنتهي الأمطار تماماً ويعود مع التلاميذ وأهاليهم لترميمها وبنائها من جديد.

94

تقع جزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة، على بُعد 94 ميلاً من مدخل الخليج العربي، مقابل ساحل الشارقة، إذ إنها تتركز في الجنوب عند مدخل مضيق هرمز.

20

تبلغ مساحة «أبوموسى» 20 كلم2، وهي مساحة صغيرة لأرض متنوعة، غنية بالأوكسيد والغرانيت وتشكيلات ومواد أخرى، إضافة إلى الثروة السمكية.

360

يبلغ ارتفاع جبل الجزيرة 360 متراً، ويحمل أسماء متعددة، منها: (جبل الدعالي): «حسب ما يناديه به الأهالي»، ومعنى «الدعالي» القنافذ باللهجة المحلية.