لا شك أن المعماري فنانٌ مبدع، كونه يشكل من الفراغ المتاح له صرحاً، رغم تعامله الواسع مع الأرقام والرياضيات والأدوات الصلبة، لكنه يُعد فناناً ومبدعاً لكون التصميم فناً مستنطِقاً جمود الإسمنت وقسوته، مترجماً إحساسه وخياله في أفكار بارعة، ويشكل حضارة ناهضة من خلالِ بناءٍ مميز يصبح مع الوقت علامة.
في أبوظبي عاصمتنا الجديرة بالتقدير، لعرضها كل حين مشروعات معمارية رفيعة المستوى وفريدة من نوعها، بسبب اهتمامها تكريس وتعزيز حركة البناء الحديث الذي يعتمد أساسا على لمساتنا ونقوشنا، النابعة من هويتنا الوطنية، عن طريق اعتمادها على أقصى خيال المصمم المثقف، كي يأخذنا إلى أقصى الواقع في تعبيره عن ثقافتنا في بناء الدولة، من خلال تجسيده صرحا يتحول إلى عنوان وهوية.
مصممون مثقفون
نختار من جزيرة السعديات التي أسست صروحا حضارية عديدة تعنى بالإنسان وثقافته، نماذج ثلاثة. وهي المتاحف التي يجري إنشاؤها هناك، ولاقت اهتماما لافتا في معظم أنحاء العالم حتى قبل افتتاحها، وهي: «متحف زايد الوطني» و«متحف اللوفر أبوظبي» و«متحف أبوظبي جوجنهايم»، لأبحث عن مصمميها، الذين اختيروا بعد بحث ودراسة دون غيرهم أمام منافسيهم من قِبل الشركات العالمية الكبرى أثناء تقديم المناقصة.
ووقع الاختيار عليهم ليس لكونهم من الذين يمتازون بالإتقان والشهرة فقط، بل لأن تصاميمهم قامت على ثقافة المكان البيئية والمعمارية الفنية الخاصة بنا، وكذلك المناخية، لتخرج المتاحف الثلاثة صروحا تتمثل بهوية الإنجاز.
متحف وحكاية وطن
لا مقاييس ثابتة لأفكار المبدع، وإن كان في مجال الهندسة والتصميم، طالما كان لديه وعيٌ وإدراكٌ لثقافة المكان وتاريخه وتراثه، قبل مبادرته بتصميم المشروع، لتخرج فكرته جديدة ومختلفة وإن كانت مستمدة من فكرة أخرى مسبقة.
ولا ثبات لتصاميم الخيال التي تقوم على الهدف من فكرة البناء، كما حدث مع المصمم الإنجليزي نورمان فوستر الذي اختير بعد منافسة شديدة من مصممين آخرين وشركات أخرى، لتصميم «متحف زايد الوطني»، لكونه قدم إعمارا مختلفا، فقد لاحظ فوستر أنه متحف قصصي وحكائي وسردي، ليراعي في تصميمه القائم على سرد قصة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كافة التفاصيل..
فيسرد عبره حكاية الاتحاد وقصص الإنجازات، ليقوم بتصميم خمسة أبراج تُشابه أوراق النباتات المتمايلة، لتبدو راقصة في الهواء، وكأن المبنى قادم من الخيال، خيال السرد القصصي الذي يروي حكايات تبدو بين الخيال والواقع، لتتجلى بطبيعة المكان والانسان والسرد، موحية بأجنحة حالمة، تتبلور في أجنحة اسمنتية تراقص الهواء وتستعيد ذاكرة الوطن والمؤسس.
وبالتالي استطاع فوستر المصمم المبدع، أن يحول السرد إلى بنيان، ساكبا إبداعه بناءً.
سعف اللوفر
أما متحف اللوفر الذي هو فرنسي في أصله ولا وجود لفرع آخر له في العالم سوى في أبوظبي، المقام أخيراً بعد أن صممه الفرنسي الشهير جان نوفل، الذي أراد لمتحف اللوفر في باريس حين يخرج لمدينة عربية، أن يكون التصميم عربيا انعكاسا لمعمارها التقليدي ومناخها المتمثل في شمسها المتوهجة على الدوام، مستلهما تصميمه من شجرتنا العربية: النخلة وسعفها الذي استخدمه الآباء والأجداد البسطاء في تغطية أسقف منازلهم، يُظلل ولا يمنع النسيم من المرور.
خرج السقف الإسمنتي للمتحف بعد تصميمه ليعبر عن أسقفنا الماضية، مكوّناَ أشكالاً وألوانا فاتنة كما ظلال السعف في ضيائه المنعكسة على أرض البيوت، التي كدنا أن ننساه، ليذكرنا به هذا المصمم الفرنسي المدرك لتاريخنا بعد تجسيده هندسة تمثل هويتنا، مُسقطا الظلال الهندسية على أرض متحف اللوفر في أبوظبي.
يبقى الاطلاع على ثقافة الآخر ميزة هامة لا سيما إن كان مبدعا مثل جان نوفل، الذي كاد أن يدرس الفن يومًا لترشده عائلته، وبالتحديد والده معلم الرياضيات والفن صاحب الرؤية المختلفة، إلى أن يدرس الهندسة المعمارية التي هي المستقبل.
براجيل جوجنهايم
لا شك أن متحف جوجنهايم مشهور والمعروف بفروعه المختلفة في العالم، فهناك جوجنهايم بلباو الإسباني، وجوجنهايم سولمون في نيويورك الأميركية، وجوجنهايم البندقية في إيطاليا، وغيرها، والآن في أبوظبي الذي رسا مشروع تصميمه على هذه المؤسسة المعروفة «سولمون».
المصمم الأميركي الكندي فرانك جيري، وقبل تصميمه لجوجنهايم في جزيرة السعديات، كان معجبا بالبراجيل، والبارجيل هو البرج الهوائي الطبيعي في ماضي الإمارات والمنطقة، الذي وفر لمستخدميه الهواء والظلال في داخل المنزل، وكذلك خارجه في الساحات والأزقة، ليقوم جيري باستلهام هذا البرج في تصميمه لجوجنهايم أبوظبي الذي هو الأكبر بين مجموعة متاحف جوجنهايم في العالم، الذي خرج مخروطي الشكل في تلك المساحات الواسعة للمتحف، ووضع ممرات مخروطية زجاجية عديدة كالجسور بين المكان والمكان، لإطلالة المتحف على الطرف الشمالي الغربي لجزيرة السعديات حيث البحر من جهة والصحراء من جهة أخرى، فلا تغيب طبيعة المدينة الأصلية والأصيلة، ويمزج البناء التقليدي من البناء القديم في تصميم حديث.
وفرانك جيري المعروف ومنذ طفولته الأولى بخياله الخصب، وهو يقوم بتركيب قطع الأخشاب الصغيرة، يبني بها بيوتا وهمية في غرفة طفولته الصغيرة. كبرت معه المكعبات إلى مساحات الأرض الشاسعة.
نورمان فوستر المتأثر بالتكنولوجيا
نورمان فوستر، الغزير في أعماله الهندسية، كان قد أكمل دراسته الهندسية بصعوبة، فهو من عائلة تنتمي إلى طبقة العمال، عمل في بيع «الآيس كريم» ليمول تعليمه الجامعي، وتفوق في تصاميمه متأثراً بالتكنولوجيا الفائقة. فاز بجائزة بريتزكر عام 1999م نظير تصميمه جسر الألفية المميز في لندن.
ومن أهم أعماله :
■ برج الفيصلية في الرياض بالسعودية.
■ مكتبة فقه اللغة، وهي عبارة عن جناح جديد لجامعة برلين الحرة تصميمه الخارجي كالدماغ البشري.
■ ملعب ويمبلي، وهو استاد رياضي لكرة القدم، في لندن، ويتضمن 90 ألف مقعد، ويتميز الملعب بانعكاس الصوت وارتداده على مكان واحد.
جان نوفيل.. خيالٌ شجاع
حصل المصمم الفرنسي جان نوفيل على جائزة بريتزكر البريطانية العالمية عام 2008م عن تصميمه عمارة تدعى بالإسبانية «توري أغبار» في برشلونة، وتعني ناطحة سحاب، التي افتتحت رسميا عام 2004م، وقيل الكثير عن إبداعه المعماري الذي يتصف بالشجاعة والندرة والثبات والخيال. وندرج هنا أهم إنجازاته المعمارية:
■ معهد العالم العربي بباريس عام 1987م. وقد نال على التصميم جائزة آغا خان.
■ متحف قطر الوطني: 1975م.
■ متحف برانلي بباريس الذي يهتم بالفن البدائي.
■ متحف رينيه صوفيا الشهير في مدريد: 1992م.
فرانك جيري..تصاميم راقصة
معماري معاصر، جذب العالم من خلال تصاميمه لمبانيه الهندسية المغايرة، كون الكتل الاسمنية التي يبدعها في تصاميمه تبدو راقصة، ونال جائزة بريتزكر العالمية عام 1989م لتصميمه قاعة حفلات والت ديزني المميزة في اليابان. كما أن معظم تصميمات جيري راقصة، وكأنها خارجة عن الواقع، جيري المشهور بتصاميمه المتحفية، وتتمثل أعماله في تصميم المتاحف بـ:
■ متحف جوجنهايم في بلباو بإسبانيا عام 1997م.
■ متحف فيترا للتصميم في ألمانيا عام 1989م، المخصص لعرض أعمال التصميم الداخلي للأثاث.
■ متحف التنوع البيولوجي في بنما عام 1999م، وهو بتقنية الأشكال الجذرية والزوايا المختلفة.
جائزة عائلة بريتزكر الإنجليزية
يستطيع أي مهندس معماري لديه رخصة أن يتقدم للفوز بهذه الجائزة وبشكل شخصي، لأنها جائزة تشجيعية لممتهني الهندسة المعمارية. ورغم عمرها القصير، إذ بدأت عام 1979م، إلا أنها استطاعت أن تكون من أهم الجوائز العالمية، فهي الآن موازية، كجائزة إبداعية، لجائزة نوبل العالمية في شهرتها وأهميتها. ورغم أن قيمة الجائزة مائة ألف دولار.. ويقلد الفائز بها ميدالية برونزية. لكنها تمنح الثقة الكاملة لمن يأخذها بأنه يستحقها.
بريتزكر جائزة سنوية لتكريم مهندسي العالم الذين ساهموا في إعمار العالم ضمن نطاق شروط البيئة، حيث اشترط مؤسسها وهو من عائلة بريتزكر الإنجليزية، أن تتبنى العائلة جائزة محفزة تساهم في الارتقاء بالعمارة الهندسية الفنية المبتكرة المتناسقة مع الإنسان والطبيعة.
180
يبلغ قطر قبة متحف اللوفر أبوظبي 180 متراً، وسميت بـ«شعاع النور»، وهي متميزة بنقوشها العربية والمعاصرة وستكون من أهم القباب المعاصرة في العالم.
05
أجنحة عملاقة فريدة لمتحف زايد الوطني، وهي مستوحاة من أجنحة الصقر الذي هو رمز دولة الإمارات، وهي تمد المتحف بالإنارة الطبيعية والتهوية.
01
متحف جوجنهايم أبوظبي هو الأول في الشرق الأوسط من بين خمسة من متاحف جوجنهايم في العالم، وسيكون متخصصاً في عرض الفن المعاصر والعابر.





