كان بوسعه أن يسمع صوت الصرير الخافت الذي يصدره المفتاح وهو يحاول حشره في قفل الباب. تأكّد أن هناك مشكلة حقيقية، وأنه سيمضي مجدداً أكثر من عشر دقائق، كما الأيام الستة الأخيرة، في محاولة فتح باب شقته. لعن الساعة التي سكن فيها في هذا المبنى، وبدا كأنه يتعرّف للمرة الأولى على مساوئ الجيرة: جاره، ذو الشفاه الغليظة، لطالما كان فظّا معه في لقائهما غير المتعمّد مرّات بانتظار المصعد أو في المدخل. في واقع الأمر، لم يحدث أن كلّمه من قبل، لكن، كان بوسعه أن يستشف تلك الفظاظة من طريقته بالنظر اليه. لدى الجار تلك النظرة المخنوقة.
حمرة دائمة تحيط بالابيضاض في عينيه، واتساع حدقة ضاغط. كان يشعر أن عيني جاره بركتا مياه ساخنة يطلع منهما بخار يتمدد ببطء. لا يعرف تماما ما الذي ينفّره، بالتحديد، من منظر العينين حين كانتا تطالعانه لثوان معدودات: كرهه للمياه الساخنة، خوفه من البخار المضغوط الذي يتمدد موحيا بالنهاية البطيئة لكل شيء، للكون، كأنه بخار البركان في وقت استراحته بين فناء وفناء.
في قرارة نفسه، كان يشعر بأمر آخر: تلك النقاط الحمراء التي تظهر، من بعيد، كبقع، وتظهر، من قريب، كمنمنمات مشجّرة، كانت تغرقه في أرطال من الفزع. أو كانت تجسّد فزعه الأكبر من الإصابة بمرض خطير والموت مذلولا في غرفة مغلقة الستائر، بعيدا عن الناس. حين العيون يداهمها الأحمر مستقرا فيها لمدة طويلة، فتلك هي النهاية، إنه المرض اللئيم، هو على الأرجح مرض الايدز.
هكذا كان يفكّر. ولأنه كان مؤمنا بوجود الشياطين ويهابها، كان عليه أن يلصق وجهه بالباب ويتجنّب ظهور جاره المباغت في هذه اللحظات. كان متأكدا أنه، في حالته المرتبكة هذه إزاء قفل الباب والقرف الذي ينتابه تجاه المفتاح والمبنى والجيرة، غير قادر على تحمّل عينين حمراوين كاويتين، من المحتمل أن يضاف إليهما ابتسامة شماتة وسخرية من عجزه عن التعاطي مع مفتاح وقفل: كم أنا غبي، قلت يجب عليّ أن الطّخ طرف المفتاح بالصابون ولم أفعل شيئا.
وها أنا مثل الحمار أحاول الدخول إلى بيتي ولا أفلح، بينما جيراني الأغبياء يضحكون مني واحدا تلو الآخر، قال في نفسه ثم عاد واستدرك: «ولكن ما كان يصلح أن أضع صابونة في جيبي ولا في الحقيبة!» أحسّ ببؤس شديد، وكان كلما تخيّل ابتسامة الجار، الذي كان يمرّ، في اللحظة، وراء ظهره المنحنى صوب القفل من دون أن يراه.. كلما تخيّل تلك الابتسامة يتفاقم لديه الشعور بالعجز.
كان الجار، الذي ظنّه عبر، لا يزال واقفاً وراء ظهره ويبتسم بعينيه اللتين تشبهان برك الدم الساخنة. كان يقول له: إنها المرة العاشرة التي تحاول فيها أن تفتح باب شقتي خلال الأيام الماضية. ماذا دهاك يا جار؟