«اليوم عاد حبيبي لبلد الجمال ومرّ كالغزال في طرفه الكحيل». تغني ماجدة رومي. تعود الألوان الى الصور التي اعترتها الارتعاشات الزرقاء الداكنة. يظهر الأخضر على عنق الوقت. تمر فراشة على ربطة الخبز المهجورة منذ أسابيع. تختفي بقع العفن البشعة. تفيق سمكة من سباتها العميق. تفوح رائحة القهوة كما في مهرجان برازيلي مجنون. للقهوة عطر ساكن تحت الجلد. ينبه القلب الى خطر الارتماء في مستقنعات الهجر والنسيان، هناك حيث تحيك الشياطين جنازات الحب.
عطر القهوة ينبه الروح الى فخ النعاس الأبدي الذي تتلاشى بعده لحظات السعادة ومتعة المشاركة.
«اليوم عاد حبيبي لموطن الجنان ولقبلة التلال وحينا القديم». في الحي القديم باب. وخلف الباب قفل. والقفل ليس دوما سجن ولا اضطهاد ولا ضحية. القفل أحيانا أمان وطمأنينة وسكينة.
لا يجب أن نكره الأقفال بالمطلق، ولا يجب أن نحبها بالمطلق. ولكن أن نعرف تماما معناها ووظيفتها، فلا نتوه ولا نتوهم، ولا نظلم من وراءها.
في الحي العتيق قنطرة نقشت عليها حروف أولى لأسماء عاشقين. لا يطمسها المطر، ولا غبار العربات، ولا جحافل الجراد، ولا الرصاص الطائش، فتظل ماثلة.. كقدر. كشهادة تاريخ كتبها من انتصر على قسوة الأيام ووحشتها، كلحن أغنية عتيق طلع ذات ليلة من مخيلة راع سعى وراء غيطان الأمل.
وفي الحي العتيق، معطف دافئ، يخرج منه ارنب، ثم قبعة، ثم ساحر، ثم مجموعة السحر، ثم يطل الخيال، ثم تنط البهجة، ثم متعة الحياة. معطف دافئ يتسع لكل المتعة ولكل الحياة.
«سقيته ورودي وبعد ما ارتوى، وفيته عهودي فأزهر الهوى».
يزهر الهوى ويشرّع العشاق وجوههم للحنان. يمايلون رؤوسهم كما قطط تهاب البرد، يدورونها كما «درويش» المجموعات الصوفية. العاشق «درويش»، لا تروم الأحقاد في قلبه، ولا تدوم الشكوك في باله، سالم من الشرك، مسلّم للسلام. لا يغريه هجر ولا يكفيه جفاء ولا يحييه رخاء. «درويش» يعذبه العشق، لكن في العذاب يكمن الوله وسر الأيام.