ربما تكون، بالفعل، البكتيريا هي المسؤولة عن كآبته الوجودية. لم لا؟، فهو لطالما كان محشوا بهذا النوع من الكائنات المجهرية التي تسببت بفتح ملفات له في المستشفيات، تحوي عشرات النسخ عن بطاقات تابعة لشركات تأمين مختلفة.

بكتيريات كثيرة تصنع ثقوبها في معدته، ومفاصل ظهره وركبه، وألياف شفاهه ولسانه، وها هو قد اكتشف أخيرا، بعد سلسلة أبحاث استقصائية أجراها على «غوغل»، أنها ربما تكون أيضا مسؤولة عن ثقوب حالته النفسية، تلك التي باتت من الاتساع، في الآونة الأخيرة، لكي تبتلعه بالكامل، فيصبح ثقبا كبيرا بعينين ونظارة.

ثقب من الكآبة الوجودية. هكذا قرر أن يسمي نفسه، في اللحظة التي كان يجتاز فيها طريق الشيخ زايد، ساهيا وراء مقود السيارة كما لو أنه مخدر، سائرا بين خطين لا ينتهيان، أحدهما أصفر متقطع والآخر أبيض مكتمل. في طفولته، كان يحب الأصفر. يقطف من حقول الضيعة زهوراً ربيعية صفراء ويصنع منها سلالا. كان لديه طقم أصفر مائل إلى الابيضاض. قميص وشورت من قماشة الكورنيش، خاطته الجارة بهية، له ولأخيه التوأم.

تنهد متحسرا. شعر بانقباض أسفل معدته، صاحبه ضخ دم كثيف الى رأسه، وزغل في عينيه. إنها العوارض التي تصاحب في العادة حالة اتساع الثقب. حين ينسل الأسى إلى حلقه كعلقم، والدمع إلى عينيه كقطرة حارقة، وحين تجثم رخامة على صدره فتحوله إلى مقبرة أو مطبخ مهجور.

أتذكر يا نصفي، ذلك اليوم، أيقظتني من سريري وقلت: حسناً، حسمت أمري، ستذهب أنت إلى بيروت، تدرس هناك، وأبقى أنا في المدينة. لا أريد مغادرة البيت. بيروت غربة».

بيروت لعنة. ومطارها المفتوح على الهروب، قذف به إلى سماوات الدنيا، وضيعه في أراضيها.

يوقف السيارة إلى الجانب الآمن من الطريق. يصبح حبيس الخط الأصفر. صورة أخيه التوأم لا تفارق رأسه. أوباما. ابن لادن. الكلمات تطلع من المذياع. يصرخ ارتباكا، ثم يفتح عينيه على نملة عملاقة تقف في مواجهة سيارته، فيخر فزعاً على مقعده، ويشعر كأن شللا قد أصابه لشدة الرعب من ان تكون النملة العملاقة في طريقها إلى التهامه مع السيارة.

لم تكن نملة واحدة. ثلاث وأكثر. كانت سارحة على مساحة العشب الخضراء عند مدخل المركز التجاري العالمي.

في الخارج، ترعى مجسمات لنمل عملاق على العشب مسببة حالة شلل تجعله لا يقوى على مغادرة المقعد. تشجع أخيرا. قال إنها مجرد تماثيل على هيئة نمل، مصنوعة من الصلصال ومدهونة بالبرونز. اقترب من العجوز التي بدا من ملامحها أنها أوروبية، وكانت تملس على فخذ نملة. لاحظ لافتة أنيقة تم لصقها على رجل نملة، تعلن عن أنها للبيع بسعر «مئة ألف دولار أميركي».

أخذ نفسا عميقا قبل أن يبادر السيدة باستهزاء: «ربما تشترين الفخذ فقط. ثم تقيمين حفلة في البيت للمناسبة، تدعى إليها حشرات الطريق والكائنات المجهرية. سأرسل بدوري مندوبا عني. بكتيريا صغيرة اسمها كآبة..». كانت السيدة تحدق به بإشفاق ظنا منها انه مجنون تائه: «لست المجنون الأول الذي صادفته في هذه المدينة».. قالت وانصرفت متمتمة بكلمات فهم منها أنها الفنانة التي صنعت النملات العملاقة.