الشعر الذي كان يصدفه بين حين وآخر، متجمعاً على البلاط عند رجل الكنبة أو حواف العتبات، كان يشعره بالارتياب. كوكر نمل ينبني مباغتاً على مهل، يظهر الشعر فجأة ملتفاً على بعضه مشوّهاً نقاء الرخام بقوة. الرخام الذي يحرص على لماعيته، مستمداً من بريقه ونظافته راحة نفسية تجعله قادراً على مشاهدة التلفاز بسعادة غامرة، وهو مستلق على الكنبة البيضاء التي يحفّها بالماء والصابون مرة كل ثلاثة أيام أو أربعة.
حين يكون البلاط نظيفاً يشعر بأن البيت كلّه مرتباً وبأنه يحبّ البيت والمكوث فيه وقتاً طويلاً. وبأن الصيف لطيف وجميل ونظيف أيضاً، بالرغم من أن درجة الحرارة في الخارج تجاوز الخمسين، كما أن «الاهتل»، هكذا كان يسمّي جاره، مستمرّ في حركشته العابثة بأبواب الجيران.
لكنّه كان مستعدّاً للتغاضي عن إزعاج المحيط، والمحافظة على صفائه النفسي. فيروح يسقي النبات ويغيّر الورد في الآنية ويمسح الغبار عن أقراص «الدي في دي» وقد يعيد ترتيب رفوف المكتبة، وحين تكون سعادته في حدودها القصوى قد يطوّي ملابسه الداخلية ويملّس عليها فاصلاً السراويل البيضاء عن الملونة، كما قد يضع «الفانيلات» في جارور خاص. كل ذلك مشروط بنظافة البلاط الذي يأتي الشعر، من دون أن يلاحظ، ليتجمّع عند قواطعه مستعداً للانتشار بفعل أي حركة أو أية هبّة تصدر عن «الإي سي» الذي تمتد شفراته تحت أسقف البيت كافة.
حين يلحظ انتشار الشعر على البلاط، يأتي بخرقة مبلولة ويحاول، عبثاً، أن يلملمه. تلتصق بعض الشعيرات بالخرقة ثم تسقط من جديد. تتبلل ويزيد التصاقها بالبلاط، فيضطر في نهاية المطاف إلى سلخ كل واحدة على حدة ولصقها بالخرقة المبلولة. غالباً ما يكره القيام بهذه العملية، إلا أنه يتلهّى عنها بتفحص الشعيرات أثناء سلخها. يتحزّر أي منها له وأي منها للآخرين، العابرين والعابرات فوق بلاطه. ترعبه فكرة أن يكون كل الشعر، أو غالبه الأعظم، ساقطاً من جسمه.
يقف أمام المرآة. يشد، بكفّه، شعره القليل إلى الوراء ويخفيه تماماً. هذا «بيفور». ثم ينكّشه بعد ذلك بحركة عنيفة ويبتسم كمن يضحك لكاميرا، قائلاً: «وهكذا سيكون الحال آفتر». يتمثّل إعلانات زرع الشعر التي تظهر الزبائن «قبل» و«بعد» ويفكّر أن كل هذا الشعر المهدور هباء على البلاط سيستعيد مكانه عما قريب.
رن رن رن. ثلاث دقات تصرفه عن أوهامه. «نعم، نعم، كنت على وشك المغادرة. آسف على التأخّر.. تعرف دكتور إنها المرة الأولى وأنا مرتبك وخائف ولا أحد هنا لصحبتي.. نعم سآتي.. أعرف أن الأمل كبير.. إن شاء الله». أقفل السماعة ونظر إلى الساعة المعلقة على الحائط. كانت تشير إلى الخامسة وعشر دقائق. لقد أخّرته خيالاته عن موعده مع الدكتور. في تمام الخامسة عصراً من يوم الاثنين المقبل، كان عليه أن جلسة العلاج الكيماوي الأولى. قبل شهر فقط، اكتشف الطبيب أن هناك سرطاناً يحاول ابتلاع منبت الشعر تحت جلدة رأس السيّد ربيع.