نادرة، المحاورات الصحافية العربية التي جرت مع تشيلا ويتكر. وبالتأكيد قلة جدا من المشتغلين في عالم السينما، في عالمنا العربي، الذين يعرفون هذه السيدة البريطانية التي وهبت جزءا طويلا من حياتها المهنية لكي تسهم في بناء ذلك الجسر الذهني الثقافي بين العالم العربي وبريطانيا، ومن ثم أوروبا. ذلك الجسر الذي تسعى البشرية إلى بنائه، كما تدمره في كل لحظة، من دون أن يتوانى البناؤون عن إعادة العمل ولا ان يتوقف المدمرون عن التفتيت.

قضت تشيلا سنوات من حياتها في «المسرح الوطني» في لندن، مسؤولة عن برامج العرض. بدءا من منتصف ستينيات القرن الماضي، حين كانت مدن كثيرة في الشرق الأوسط تستعد لحروب طاحنة أو عمليات حربية وعسكرية ستشغل العالم على مدى العقدين التاليين، فكرت هذه السيدة أنه بات يتوجب على المشاهد البريطاني ان يعرف أكثر عما يدور في هذه المنطقة، وكانت من أوائل الذين أسسوا تظاهرة للسينما العربية في لندن نهاية الستينيات.

ولم يتوقف اهتمامها بقضايا العرب، بل إنها بدافع حب السينما وإيمانها بديمقراطية هذه الآلة وبعدها الثقافي لا الترفيهي فقط، وحق المشاهدة، خاضت صعوبات كثيرة، وعرّضت نفسها في مرات لمواقف خطرة:«تم احتجازي ذات يوم في مطار تل أبيب واستجوابي بسبب زيارتي لرام الله ولقائي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات». كان ذلك في العام 4002، لكن تشيلا إلى اليوم لم تتخل عن عنادها الذي يعرفه عنها من يتعامل معها، وقد يخاله البعض، ممن لا يعرفها، غرورا أو تعجرفا. السيدة ويتكر أيضا يعود إليها الفضل في أنها عرّفت، من خلال رئاستها مهرجان لندن السينمائي لسنوات، وأيضا كتاباتها التوصيفية والنقدية في كبريات الصحف البريطانية مثل «غارديان»..

عرّفت المثقف الانجليزي وهاوي السينما العادي، على حد سواء، بشخصيات مبدعة من عالمنا العربي. كتبت عن مهرجانات سينمائية وشخوص وأفلام كثيرة، ورثت يوسف شاهين في «غارديان» حين رحل. في الصالة الجانبية المخصصة لتعارف زوار المهرجان السينمائيين، حاورت تشيلا، فيما كيس نايلون يحتوي سجائر من ماركة إيرانية يقبع إلى جانبها: «ما هذا؟»، أسأل. تضحك وترد فورا كمن يقصد الإيضاح: «هذا ليس لي، صديقة لي تحب السجائر الايرانية، وقد طلبت من زميلة ايرانية أن تأتي بها من ايران، سأوصلها لصديقتي لاحقا. أنا أحبها أيضا»، ثم تضحك، فيشرق وجهها الذي شبهه صديقي بوجه الملكة اليزابيث: «دخلت امس الى قاعة فوجدتها تجلس وحدها على المنصة.

لوهلة ذهلت، سألتني عن سر الدهشة، قلت خيّل لي أنك ملكة بريطانيا، ماذا تفعلين في مهرجان دبي السينمائي، فضحكت. حين روى هذه الواقعة، تدخل صديق آخر للقول انها تشبه، أكثر، الشخصية التلفزيونية التي تلعب دور أغاثا كريستي. لكن تشيلا أوضح من الغموض وأقل تواضعا حين يأتي الحديث عن السحر: «قولي لي، في السنوات الأولى لمهرجان دبي، كيف تمكنت بحكم كونك مسؤولة عن جلب الافلام الأجنبية من اقناع صناعها بالعرض في المدينة. بالطبع دبي معروفة لأهل الاقتصاد أكثر، ولكن كيف كان الأمر لأهل السينما.. هل استخدمت سحرك الخاص؟»، أسال بتودد. يضحكها السؤال: «ضمن حدود ما بقي منه، ربما تكون الإجابة نعم»!

ibrahimt@albayan.ae