السيدة ليالي تختار مقعدها الى جانب أبو النجا. السيد أبو النجا جاء الى الصالة «متخفي بنضارة». لكن ليس «الرجل الغامض بسلامتو»، هو «لرجل الوسيم بسلامتو».. ولا شيء آخر. السيد ابو النجا يشتغل في الفن، في «السيما»، في مهنة من المفترض أنها «رسالة» تنقل معاناة الناس، تكثفها في مشاهد وصور، تخزنها في العاطفة والأحاسيس.. لكنه اليوم.
كما السيدة ليالي التي تدير «شيئا ما» في قناة سينمائية، في مزاج «عال» يسمح لهما بانتهاك «مزاج» وتركيز كل الذين كانوا في الصالة يتنهدون للقسوة التي «تطوف» من فيلم يصور مجانين مستشفى العباسية في القاهرة. مزاج «عال» يشبه ذلك الذي يتلبسك وأنت تشاهد فيلما لمحمد هنيدي أو أحمد حلمي أو مسرحية مدرسة المشاغبين. هل من حق «النجم» أن ينتهك حق الجمهور العام بمتابعة فيلم مؤثر صانعته ماريان خوري، من المتوقع أن يغير قوانين الصحة النفسية في بلد بحجم مصر، وهي قوانين لم تتغير طيلة ستين سنة، رمي بموجبها المئات في «العباسية» و«الخانكة» لكي يتألموا ويترهلوا ويعيشوا أسوأ الحالات الانسانية من دون قوانين واجراءات تحدد حالتهم واحتياجاتهم..
هل من حق «نجم» أن يغرق في الضحك، مع صديقته، طوال أكثر من ستين دقيقة، من دون مراعاة «مزاج» وأحاسيس جمهور الصالة الذي كان غارقا في «ظلال» خوري القاتمة! هل هو «حق» النجومية، تلك الهالة التي صنعها الناس قبل الفنان، الذي يبرر ذلك «الإزعاج». المشهد كان محرجا بكشفه اهتمام بعض «نجومنا» ومشتغلي الميديا لدينا، وجانب حقيقي من شخصياتهم بعيدا عن الادعاءات التي تفيض عنهم في وسائل الاعلام والخطب الانسانية التي يتم التشدق بها لدى زيارة الجمعيات الخيرية والمستشفيات.
فضح فيلم خوري أمورا كثيرة مسكوتا عنها تتشابك مع ثقافة الشارع العربي، وتأزمات المدنية والمواطنة وحقوق الانسان، لكن عرضه في الصالة رقم واحد في مول الامارات مساء يوم الثلاثاء، فضح أيضا زيف «النجوم» وأهل الميديا. لا مانع من الضحك، «شر البلية ما يضحك»، «هم يضحّك وهم يبكّي».. أمثالنا الشعبية تبرر لنا الابتسام والضحك في مرات حين يشتد الضيق لدرجة يصبح فيها رد الفعل العاطفي معكوسا، هذه حالة وصفها علم النفس أيضا، وفي زمن قديم كانت تعتبر لعامة الناس نوعا من «الجنون».
لكن الضحك يختلف عن القهقهة، كما أن الضحك في الصالة، أثناء مشهد تروي فيه امرأة عن زوج دمر انوثتها قبل أن يرمي بها في مستشفى المجانين، وأخرى هددها أخوها بالقتل اذا غادرت المستشفى وآخر منسي منذ اربع عقود بين جدران العفن والعنف، وشاب اودعوه المستشفى في عمر الرابعة عشرة.. هذا الضحك لا أجد له سببا مفهوما، وكان ليكون مبررا لو أن الفيلم حمل اسم «اسماعيل يس في مستشفى المجانين»، حيث المقطع الكوميدي الشهير:« لامؤاخذة يا خويا.. أصل أنا عندي شعرة.. ساعة تروح وساعة تيجي».
الأطرف من ذلك كله، والذي يرسم أيضا علامة استفهام حول «صدق» بعض الفنانين هو المشهد الذي تلا العرض: «شكرا ماريان فيلمك رائع»، قالا للمخرج وانصرفا، ربما الى حيث يجن الناس حين تكون أمزجتهم «عالية»!