تكريم «دبي السينمائي» للمطربة اللبنانية صباح يعيد الاعتبار اليها كممثلة متحققة فنياً، إلى جانب كونها مطربة وهبها الله حنجرة ذهبية، وقبل كل ذلك امرأة جدلية عرفت كيف تشغل شارع العرب لعقود من الزمن بزيجاتها وتصريحاتها و.. فساتينها. وقد يخطىء من يظن بأن هذا التكريم يشوبه «عطف» ما، كون الشحرورة، تعيش، وقد شاخت، أياما من الضنك وقساوة الحياة لم تختبرها من قبل، هي التي عاشت طويلا وعملت في الفن طويلا و«قابلت كتير، فرشولي الأرض حرير»، كما تقول إحدى أغنياتها.
لقد دس تحت أقدام هذه السيدة، ذات يوم، ليست حفنات الورد والحرير فقط، بل الذهب والألماس، لكنها لم تكترث، ولم يشغلها ذلك عن البذخ على فنها وحياتها، التي عاشتها «حتى الثمالة». وصباح، لطالما سعدت بحب الناس وتكلمت عنه، ورفعته غاية لحياتها الشخصية، كما المهنية، ولطالما انتظرت التكريم وفرحت به، رغم حيازتها عشرات الجوائز الرفيعة في تاريخها، مجمّعة في خزائنها التي أفرغتها مغامراتها العاطفية غير المحسوبة مع عشاق وأوفياء و«نصابين».. أفرغتها مما غلا ثمنه من ملبوسات وجواهر واكسسوارات، لو تم «رهنها» فقط لأحد المتاحف لعاشت الشحرورة الى آخر يوم في حياتها كريمة النفس عزيزة، من دون أن تضطر لقبول إعانات من مدح أمير أو الترويج لوزير! وقد عبرت بالفعل عن سعادتها المفرطة بتكريمها من قبل مهرجان دبي السينمائي، في الشريط الذي حمل شهادة مسجلة لها، جعل بثه كثيرين يتأثرون لرؤيتها، كما حدث تماما العام الفائت أثناء بث رسالة سيدة الشاشة فاتن حمامة المكرمة من قبل المهرجان أيضا.
أهمية صباح الممثلة تبرز في أفلام كثيرة، من بينها «ليلة بكى فيها القمر»، فيلم السبعينات الذي قدمته، والذي يعرضه المهرجان مذكرا بروائع أغانيه الشهيرة «ساعات ساعات» و« خليك يا قلبي قد التحدي». في هذا الفيلم المتأخر في سيرة صباح السينمائية، اذ كان قد مضى على اشتغالها بالأفلام أكثر من أربعة عقود حين مثلته، تمثل دور الأنثى المخدوعة التي تحب شاباً يصغرها في العمر، وتحارب من أجله وتسهم في ترقيته، فتذوق منه آلاف الغدر، وتغني «ساعات ساعات أحب عمري وأعشق الحياة». سيرة صباح الشخصية، وأيضا السينمائية، هي التي تعرضت لكثير من المؤامرات الفنية لإحراجها تارة وإخراجها تارة أخرى من المشهد الفني.. تلك السيرة تتقاطع بشكل مدهش مع كلمات تلك الأغنية التي تؤكد فيها عشقها للحياة واحتفائها بها على الرغم من كل شيء: « بحب كل الناس.. وقد ايه إحساس جواي.. وميت نغم يملا السكات.. ساعات».
في «الرباط المقدس»، «الأيدي الناعمة»، «الليالي الدافئة»، «هذا الرجل أحبه»، لم تقدم صباح أداء تمثيليا يقل عن أي من نجمات جيلها الممثلات في ذلك الوقت: ماجدة، لبنى عبدالعزيز، ليلى طاهر، مريم فخر الدين، ماجدة، إيمان.. بالطبع، لا يمكننا القول إن موهبتها التمثيلية ترقى الى مصاف حمامة أو سعاد حسني أو سناء جميل وغيرهن، الا أن طبيعة تلك الحقبة السينمائية، بقصصها الرومانسية البسيطة، فرضت أدواراً على غالبية الممثلات، لم تعبر بالضرورة عن إمكاناتهن الحقيقية. وعلى الرغم من كل شيء، تظل صباح في السينما ذات بصمة لا تقل أهمية عن بصمتها الغنائية. وتظل «ملكة للإحساس».