هذا طريق الشام. تشير اللافتة المعلقة قريباً من ساحة الأمويين في دمشق الى اتجاه بيروت. الطقس بارد. لكنني أشعر بالفرح. «حديقة تشرين» مشمسة. في وسطها منحوتات على درجة عالية من الحرفية. على الطرف الآخر للشارع، ينتظر المتحف زيارة لم يمهلني الوقت لأقوم بها. طلاب معهد المسرح يتوافدون الى المبنى اللصيق بدار الأوبرا.

يجهزون أنفسهم لمحاضرات مبكرة. أتسلل الى الكافيتريا الخاصة بهم في داخل المبنى. رائحة القهوة تجذبني: «هناك سبع طرق مختلفة لمشهد الزحف، لا أدري أي واحدة سأعتمد»، يقول أحدهم فيما ينفث من سيجارته بتوتّر. فجأة يتغيّر المشهد. أصوات كأنها رجع صدى عتيق تتردد في بالي. صور من الذاكرة، الصحف، خطب السياسيين، كتب التاريخ، تهجم ومعها مئات الوجوه. ذلك البيروتي يحمل نارجيلته، فيما الحمالون ينقلون الحجارة على اكتافهم. يعبدون الطريق. طريق دمشق- بيروت سيغيّر وجه المدينتين. نحن في العام 1860 .

ربما قبل هذا التاريخ بسنتين. مهندسون فرنسيون في موقع العمل يشرفون على البناء. هؤلاء مهتمون بمصالح البورجوازية الأوروبية التي ارادت استثمار اموالها في بناء الطرق السورية لكي تعزز رساميلها عبر مداخيل عملاقة. بعد ثلاث سنوات تم افتتاح الطريق. الفرنسي ديمان، والكونت البلجيكي إدوار دي برتوي وقفا فخورين بانجازهما الهندسي في حفل الافتتاح. بدأت المنافع الاقتصادية تنهال على خزائن تجار ليون ومانشستر وفيينا جراء هذا الطريق. سهل حركة التجارة بين المدينتين وربط الموانئ فتدفقت البضائع وتسربت المواد الخام من قطن وحرير مصانع أوروبا الصناعية. مانوك بشارة مانوكيان أرمني كان من مهندسي الطريق أيضا. كتاب «أرمن في خدمة السلطنة العثمانية» التي تحتفظ المكتبة البريطانية بنسخة عنه روى قصته: «نظرا إلى نجاحه في عمله في شق طريق بيروت دمشق عينه فؤاد باشا كبير مهندسي طريق ارزيروم شرقي الأناضول، وبعد ثلاثين سنة أدار أعمالا في صيدا». بعد ثلاثين عاما كانت المجزرة قد مضى عليها ثلاثة عقود. حرب الموارنة والدروز قسمت الطريق الى جبهات وخطوط تماس. عربات الدليجانس حملت سادة ونبلاء وأيضا جثثا وجرحى. الوجوه تستمر بمهاجمتي. ساسة لبنان، قادته، على مدى تاريخه السياسي القصير مروا من هنا. حملوا الرسائل، بل حمّلوا بها. الأوفياء والمنشقون، الضحايا والظالمون، الصادقون والدجالون.. أكاد لا أحتمل بعض الوجوه. أنفر وفنجان القهوة يسقط تاركا خطا أسود على الطريق. هذا طريق دمشق بيروت. طريق الفرح والإخاء، فلماذا الخط الأسود اللعين يهاجمني في هذا الصباح؟ علينا أن ننظفه سريعا. سأخطر شركة «الاتحاد العربي للمقاولات». هذه شركة ليبية توكلت أعمال تنظيف طريق دمشق بيروت لمدة عام لقاء «مليونين وثمانمائة وتسعة وتسعين ألفاً ومئتي ليرة سورية لا غير». لا أعرف إن كان بوسع بنغازي أن تزيل الخط الأسود. ربما ضحكات الأصدقاء الذين كان عليّ أن التقيهم في الساحة بعد ساعة، وصدقهم، وارتباطهم بالأرض والتاريخ، كفيلة بذلك. «هل تضعون لافتات تشير الى اتجاه دمشق في شوارع بيروت»، يسألني أحدهم: «لا أعرف، لكن ينبغي ذلك، مؤكد».

ibrahimt@albayan.ae