«.. إن ناشونال جيوغرافيك العربية تتعامل مع هذا التحقيق كموضوع علمي آثاري بحت وليس كونه موضوعا دينيا عقائديا، وبالتالي فإن كل ما فيه خاضع للنقاش والرد..». من هنا نبدأ. من النقاش والرد. لكن قبل أن نبدأ، لنعيد، وللمرة المليون، وضع خط أحمر تحت كلمة «موضوع علمي». بتنا نصاب بالرهاب كلما طالعنا هذا التعبير في الخطب السياسية لقادة الغرب، أو في الإعلام الأميركي الذي يدعي الموضوعية. «موضوع علمي»، عبارة باتت توحي بالنكتة، تماما كما يقول المصريون عن أفلام الجنس «افلام ثقافية» تهكما، أو تواريا.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، شاع استخدام هذا اللفظ كما الفاظ أخرى من بينها «حماية الأقليات»، أو «الدفاع عن حقوق الأجانب» وكانت كلها عبارات تخفي نوايا صارخة للهيمنة الاستعمارية، بداعي العلم مرة والدين مرات. في تلك الحقبة ذاتها، ظهرت مجلة «ناشونال جيوغرافيك» الأميركية التي تعنى بالجغرافيا والعلوم، وبنت على مدى أكثر من قرن علامة تجارية بات عنوانها (الثقة) مكنتها من إصدار نسخا بلغات كثيرة، من بينها العربية، التي تصدر من أبو ظبي. عددها العربي الأخير حمل موضوعا عن ممكلة داوود وسليمان.

ونقل كاتبه روبرت داربر نقاشا اسرائيليا داخليا بين علماء آثار ومجتمع مختلفون بين من يثبت أن تلك المملكة كانت أسطورة لا وجود لها، وبين آخرين يثبتون العكس، ومنهم من يعتمد على فحص كربوني لأربع زيتونات وجدت نواتها في موقع يقال إن «اليهود سكنوه وليس الفلسطينيين قبل مئات السنين، والدليل عدم وجود بقايا عظام خنزير في موقع الحفريات»! وللعلم فقط فإن هذه الدراسة التي يسخر منها بعض الاسرائيليين أنفسهم، والتي تهدف الى تأكيد العثور على أطلال مدينة اسمها داوود أجراها أستاذ بالجامعة العبرية وآخر من جامعة كاليفورنيا حصلا على التمويل من الجمعية الجغرافية الوطنية الأميركية، وهي الجهة التي تصدر عنها المجلة ذاتها!

وثمة الكثير مما يمكن نقاشه في التقرير المنشور على أكثر من 61 صفحة في المجلة، والذي، يحفل بآراء وحجج عشرات الأسماء الاسرائيلية مع ذكر لرأي عربي واحد في فقرة لا تتجاوز السطور الأربعة، إثباتا للموضوعية وكلام «العلم». لكن من ضمن ما استوقفني كلام صورة لفلسطيني يمارس هواية نفث النار على سطح في حي سلوان المقدسي:«.. ويعيش الفلسطينيون هنا حياتهم بشكل عادي رغم تزايد المخاوف من اتساع رقعة الحفريات..».

هكذا قضت الأمانة العلمية ان تكون الصورة الوحيدة الفلسطينية الواردة في تقرير يعج بصور اسرائيل السعيدة، بعرائسها قرب الجدار واضواء «مدينة ديفيد» المشعة، هي لرجل «هوايته نفث النار من على سطح شرفته تجاه الجانب الاسرائيلي». كما أن تلك الامانة تستخدم لفظ «عادي» للحديث عن حي مهدد بالهدم وتهجير 50الفا من سكانه، وحيث يعتقل الأطفال كل يوم ويعذبون لأنهم يرمون الحجارة، ويحاصر الرجال في بيوتهم مع نسب بطالة تتعدى الستين بالمائة، وتعيش النساء هلع أن يجدن مستوطنا يحمل سكينا وينتظرهن خلف باب مطبخ بيوتهن. تلك قصص قليلة من يوميات حي سلوان، المجاور لسور المسجد الأقصى، المحملة بالعذاب والآلام وما هو بالتأكيد، وبشكل علمي بحت، يفوق.. «العادي»!

ibrahimt@albayan.ae