«اسمي مؤمن رشيد كوهينور. وأنا أعمل في هذا المقهى منذ 57 عاما».

العثور على مقهى «بريتانيا» في وسط مدينة مومباي ليس بالمهمة الشاقة. التحدث الى مالكه كوهينور ينطوي على السلاسة ذاتها. في عمر السابعة والثمانين، ستجد مكانا دائما على طاولتك لشاب يريد طرح «بعض الأسئلة». ثم ينتهي المطاف بطبق من الارز مع الزعفران والبصل المقلي. «عليك ان تتذوق وصفة المرحومة زوجتي. هي التي كانت الشيف لأكثر من نصف قرن. لم نغيّر قائمة الطعام أبدا.

هذا الشاب الأرعن الذي يقف وراء صندوق المحاسبة هو ابني، ينتظرني كي أموت لكي يغلق هذا المحل الذي افتتحه أبي في العام 1923 ، اسأله سيؤكد لك هذا»، يقول لي وفي عينيه حسرة الخائف على إرثه بعد الزوال. «أنا بارسي، ولطالما عشنا في الهند بسلام، ولدينا طقوسنا الخاصة»، يقول. والبارسيون طائفة من عباد النار الذين لا يدفنون أمواتهم، بل يتركونهم للطيور تنهب جسدهم في مكان مرتفع يطلق عليه اسم برج الصمت.

هربوا من ايران مع قدوم الإسلام، وبعضهم وصل الهند في القرن السابع عشر واستوطن مومباي. مع الحكم البريطاني، عقدوا، وغالبيتهم تجار أثرياء، ما يشبه حلف الصداقة الذي ضمن حرية ممارستهم لعباداتهم وبناء معابدهم والتكاثر. عددهم اليوم ستون ألفاً، وهو عدد آخذ بالتناقص، وتشير احصاءات أنهم بعد عقد سيتحولون إلى «قبيلة» بسبب هذا التناقص. لكن السيد مؤمن رشيد يبدو ليناً في هذه اللحظات، بنظارته السميكة، وأنفه المستدير كما كرة الطاولة، وأدبه الفائق، كأنه البارسي الأخير في المدينة، ومن بعده ستنقرض السلاسلة: «لطالما دعوت إلى السلام.

أنا ضد الحروب. كتبت إلى جورج بوش رسالة طالبته فيها بالكف عن إشعال الحرائق في العالم. لم يستمع إلي. انظر ماذا حدث في العراق..»، ثم، وبحضور ذهني متوقد، يمضي بسرد دقائق الوضع العراقي. لكنه ايضا يهتم بأمور أخرى. يخرج من ملف زيتي اللون، سميك يشي بكتلة من الأوراق بداخله، رسائل وبطاقات تذكارية وصلت إليه من بريطانيا وأوروبا والصين واليابان. المفاجأة: رسالة من ملكة بريطانيا! تحديداً من موظفة لديها تقول: «السيد الكوهينور. الملكة طلبت مني أن أكتب إليك هذه الرسالة لكي تشكرك على رسالتك التي أرسلتها لها مع السيد فورتسكيو، وقد تأثرت بالولاء الذي أبديته والمشاعر الخالصة. أشكرك مرة أخرى على الرسالة والدعم الذي تلقته الملكة بكامل الحفاوة. لاري فوريتان. قصر وندسور. التاسع من ابريل العام2010 ».

لعله فعلا البارسي الأول والأخير الذي يتلقى رسالة من ملكة بريطانيا، لكن هذا لن يمنعه من تذكر بعض اللحظات الحرجة: «يوماً ما، أراد الانجليز احتلال هذا المقهى وتحويله إلى مكتب اداري، اعترضت ولم يستمعوا إلي. وحين استلمته مرة أخرى، كانوا قد دمروا كل شيء. المقهى كان جميلا، ولديه طابع كولنيالي رائع. لقد خربوا حتى البلاط». عند الباب، يودعني البارسي الطيب، على أمل اللقاء مرة جديدة في العاصمة الهندية. «إنني ممتن لقدومك، عد مرة أخرى»، يقول، فيما تلوح من عينيه ذاكرة المدينة ومئات الحكايات.

ibrahimt@albayan.ae