هذا ليس يوم القيامة بالتأكيد. إنه يوم عادي في حياة مومباي. هذه البقرة السارحة على الرصيف ستسلخ جلده وتطير إلى اقرب غيمة لتختبئ حتى الفناء. هذا الجرذ المستعمر في فقر الناس ما عاد يصبر على السموم. هذه العجوز التي تحمل الحجارة فوق رأسها صخرة لا ينبت عليها العشب. هذا الصفيح كفيل لكي يسقف العالم. هذه الأشجار متعبة من اليباس، لكن ناس الشوارع يضحكون. تحدق في سائق العربة الذي يهطل عرقا، تقول له «معلوم» أو «نو معلوم»، فيضحك.
هو لا يعرف ما تسأل عنه، ولا أين تريد الوصول، لكنه لن يدعك تغادر عربته، وان اقتضت الحاجة سيشغل لك شريط «كاسيت»، ويقلبه وجها على ظهر، كذا مرة، قبل أن يهز برأسه مع صوت موسيقى «القوالة» التي تبدو كما لو أنها أناشيد ترثي. لكن العجوز يضحك. ينظر إليك مهموما بإيجاد مكان للوحة في مقطورة الدرجة الأولى من القطار، ويشير إليك بالمكان الأمثل: ضعها وراء ظهرك وثبتها.
ثم يمسح عن رقبته العرق بمنديل يذكرك بأشكال الموظفين في سبعينيات القرن الماضي، أصحاب الياقات الزرق ممن يظهرون في أفلام القاهرة وبوليود. تظن أنه توفيق الدقن، في آخر أفلامه، أو محمود المليجي، سيشير عليك بحكمة اليوم. اليوم: لا تهبط في المحطة التالية، بل التي تليها، وإلا ستجد نفسك على جسر حاملا لوحة ولن يتوقف لك أي سائق يقلك للفندق. اليوم ربما تطير حاملا لوحة المرأة التي تحتضن سلة السمك. المرأة الزرقاء التي استحليتها معلقة في شارع في «غالا غودا»، على رصيف معرض الفن.
خطها فنان جاء من قرية بعيدة، حاملا حلمه وريشة، وموهبة تبحث لها عن مكان في مدينة موهبة سكانها الأصيلة هي البقاء على قيد الحياة. ستطير فوق الجسر، تمسك بيد المرأة، تخيّط الأسماك في حبل وتحركه كطفل يحرك طائرة الورق، وتحلق فوق مومباي. فوق الأشقياء والأقوياء. الضعف والقسوة. معنى الحياة وكارثة الوجود. شقاء البشر. هذا لن تعرف عنه حتى تركب عربة «ريكشا» مفتوحة الجانبين وتجول في الشوارع من دون كمامة بيضاء ولا نظارة سوداء ولا فلين تسد به أذنيك. افتح كل الثقوب، فطوفان الشقاء لن توقفه سدود الثقوب.
لكن الفتاة التي تنشر الغسيل على نهر من مجرى المياه الصحية، تحدق في عدسة الكاميرا وتضحك، ثم تحدق وتنتظر كأن الفراشات ستهب بعد قليل. وهؤلاء الأطفال يلعبون على الخردة. أكوام الخردة في كل مكان، ملاعبهم في كل مكان، المدينة تلعب معهم، تقشّر وجهها كلما هرمت، ترمي القشور في الزوايا وتحت الجسور. قشور المدن، خردتها، ملاعب للأطفال.
لكن مومباي تفتت وجهها في كل لحظة. لكأن ركام الدنيا هنا، لكأن كوكبا في السماء كنس نفسه ورمى الزبالة على وجه المدينة فوزعتها في الطرقات. فللسماء قصة مع المدينة، فهي إن دلفت فمطر شقي مؤكسد مخنوق، وهي إن أجفلت فجفاف يسرح شياطين الأرض، وهي إن رأفت تكون مكنسة الكواكب.
هذا ليس يوم القيامة، انه يوم عادي في حياة المدينة. ومومباي تقشر ناسها وتسلخ أبقارها ولا تنسى أن تضحك.