لماذا غيرت الصبيتان مقعديهما حالما قررت التمركز على الطاولة المجاورة؟ كل ما في الأمر أنني أردت موقعا كاشفا للبرج والبولفارد في الوقت ذاته، وهما ربما ارتابتا من هذا الرجل الذي اختار الطاولة اللصيقة تحديدا، فيما هناك الكثير من الطاولات الفارغة في مقهى «كافيه بولفارد».

ثمة نسيم ربيعي يهب ويداعب الستائر البيضاء فيزيد من إحساس الاسترخاء في المكان الذي تلفه الألوان الهادئة: قماش الحليب الأسمر وخشب الشيكولاتة الداكن ورخام قليل. النادل افريقي من راوندا، والمدير من جنوب افريقيا. السيدة التي تقف عند الزاوية وتطلب من زوجها أن يلتقط صورة يكون برج خليفة في خلفيتها، تبدو من لكنتها أنها إيرانية.

تبتعد قليلا ثم تعود لتسأل النادلة عن نظارتها. ربما تركتها هنا حين كنا نتصورّ! رجل روسي بدين يطلب سلطة كبد البط. تأتيه مع أكواز من التين والصنوبر المحمص ومرقة الخردل الحلو. الساعة الرابعة وثماني وثلاثين دقيقة. الشمس تبعث بألوانها الحارة قبل الغياب. تنثر ذلك الإشعاع الذي يحول كل الكائنات الى أجسام مشعة، تماما كما هو «سوبرمان» في لحظات الدفاع عن النفس مستخدماً كريبتوناته المشعة. أفكر أن الناس، ربما، قبل المغيب، يعيشون ظروفا دفاعية. يدافعون عن الحياة قبل العتمة، فيصدر عنهم الإشعاع.

محبو الليل، الهائمون والغاوون، يتطهرون من الضوء لكي يكون بمقدورهم تلقف الخطايا، ليلاً، أم تخبىء مع الشمس ضوءها، وتسترده في الصباح، كاملاً «مشحوناً» لكي تتمكن من الاستمرار في انتاج الحياة. طفل يرمي ما يفيض من ضوئه، لكي يختزن ضوء القمر. وحدهم الأطفال لهم امتياز ضوء الشمس وضوء القمر. ينهلون من الذهب والفضة، يلعبون بها، ويتخلصون منها، ولا يدرون أنهم سيلهثون وراءها يوما ما. حين تندثر البراءة ويستشرس جوع النفس والفكر.

عامود الكهرباء الذي يتخذ تصميما باريسيا قديما، يشع من وسطه. النسيم يستمر بالهبوب، بات الآن أكثر إنعاشا. تتوقف عربة البلدية أمام خط الأشجار الذي يفصل بين «البولفارد» ومدخل «سوق البحار» و«فندق القصر». عربة صغيرة لا تحدثا ضجيجا. عاملان يرتديان الأخضر الفوسفري يقومان بريّ الأشجار بتمهل وصبر. تقترب صبيتان من جهة «دبي مول» بدا أنهما خرجتا للتو من «لوثة» تسوق خارقة.

تبدوان كما عارضات الأزياء المستخدمات في الإعلانات الترويجية، تحملان الأكياس الورقية والقماشية الممهورة بالعلامات التجارية الراقية وتتمايلان بكعوب عالية، بينما الشعر منسدل وناعم يتطاير في الهواء. يقتربن من الفندق المجاور، عاملا البلدية لا ينظران. يتابعان الريّ بهدوء وينصرفان. يركض رجل بلباس رياضي على الرصيف. يبدو من سكان المنطقة. «محظوظون سكان وسط المدينة»، أقول لنفسي، من دون الاسترسال إلى مستنقع الحسد.

دوائر غامقة على قميص الراكض توحي بأنه يجري منذ فترة. ربما في حلبة دائرية حول البرج. ربما توقف أمام النوافير واستشعر رذاذها، أو ألقى نظرة على السيارات الفارهة التي تصطف عند مدخل فندق «ارماني».

أشرب قهوتي ببطء، فيما أشعر بصفاء نفس مفاجئ.

ibrahimt@albayan.ae