بكت هيفاء وهبي في لقائها التلفزيوني الأخير مع نيشان. هي عادة ما تبكي. تذرف دمعة بين دلع ودلع. بين دلعين يظهر الوجه الخفي للمرأة الجميلة التي سيطرت على عناوين الاعلام العربي الترفيهي في السنوات الأخيرة.

أداؤها، رقصها، النكات التي حيكت عنها، معاركها مع زملائها وزميلاتها في الوسط الفني والبعض في الوسط الاعلامي، تمثيلها، رموشها، زفافها، ملايينها.. كل ذلك صنع من هيفاء «براند» يشبه العلامات التجارية الأيقونية التي تحملها المنتجات الفاخرة.

أصبحت المغنية اللبنانية الطالعة من جنوب الحرمان، قبل الحرب الأهلية، والمقاومة ثم التمرد، بعد الحرب، منتجا يضاف الى ما يصدره لبنان الى الخارج مع عبارة «فخر الصناعة اللبنانية».

بات الكثير من إخواننا العرب ينظرون الى لبنان من خلال هيفاء، كما نظروا اليه في مرحلة سابقة من نافذة برامج «ال بي سي». ثم عرفت وهبي أن «لبنانيتها» لن تكفي وحدها لكي تحقق الانتشار العربي المطلوب. ليس هناك من انتشار فني اذا لم يكن المرور عبر بوابة القاهرة. تلك حقيقة عرفتها فنانات لبنانيات مبكرا من زمن صباح ونور الهدى ونجاح سلام وفايزة أحمد.

لكن وهبي لم تعبر الى القاهرة عبر السينما أو التلفزيون، ارادت عبورا محاطا بالضجيج، كما هي حياتها تحت الأضواء. لم تدخل الى مصر ضيفة لكنها «ناسبت» مصر. ليس الحكومة، على رأي الأغنية الشهيرة لشادية في مسرحية «ريا وسكينة»، وناسبنا الحكومة وبقينا قرايب.. ليس الحكومة وإنما «البزنس».

مع تواجدها في القاهرة تغيرت هيفاء قليلا. ربما هو اختبار البساطة وجوهر الظواهر الذي تجده في القاهرة أكثر بكثير من بيروت، التي تدعي وتتغاوى،في مرات، من دون عمق.

القاهرة لا تدعي، وهيفاء لم تعد كذلك. في مشهد من حلقتها مع نيشان، تأثرت لاسترجاع حكايات انتحار نجمات فاتنات شغلن الدنيا في حيواتهن: داليدا ومارلين مونرو وسعاد حسني. يسألها المذيع: هل تفكرين بنهاية مشابهة؟ سؤال مفاجيء ويدخل مباشرة الى مكنونات دفينة. حين تكون نجما، فإنك تتوارى .

ولأنك تتوارى تصبح أضعف. ولأنك تصبح أضعف، قد تفكر في لحظة « الأفكار الشيطانية السوداء» (على حد تعبيرها) أن «تفعلها». لم تنطق هيفاء التعبير. لم تتحدث صراحة عن انتحار. قالت «تفعلها». رقتها لا تحتمل هذا اللفظ. صورتها أيضا، ربما، في عيون الجمهور.

استعادة صورة سعاد حسني، لدى كثير من فنانات العالم العربي مرثاة للحزن، ودرس عن الخوف والنهايات الملتبسة لشخصيات الضوء. بكت هيفاء. سال دمعها بهدوء، كما لو كان «يتدلع» مثلها. لم يسل معه كحل. ربما السبب أنها تستخدم مثبتا للكحل، أو هناك أسباب أخرى، لكن وجهها لم يتشوه بسبب الدمع.

استغرق الأمر دقيقتين قبل أن تسأل نيشان: أيهما يضيء الآخر، أنا أم المجوهرات التي ارتديها؟ خرجت بسرعة من لحظة الأسى. لحظة الخوف الوجودي من الموت والنهايات، من الوحدة والانتحار.

تلك اللحظات التي بانت فيها، في أقصى مشاهد الصدق التي عبرت عنها في حياتها على الشاشة. مع دموع «الانتحار» بدت هيفاء امرأة جميلة تبكي، لكنها قبل كل شيء امرأة من لحم ودم وليست أيقونة من السماء!