بيوتنا التي نتركها لم تعد تودعنا وداعا لائقا. نترك فتات البيتزا على رخامة المطبخ، صحنا لم ينظف تماما، قطعا من القماش في سلة الغسيل، وكثيرا من الغبار. نتحايل على البيت: هكذا يظن أننا عائدون. وربما، فعلا، نعود.
لكن ما نعرفه الآن أن رجلا بلباس باكستاني وعيون سوداء واسعة وقامة قصيرة جاء وحمل كافة الصناديق. وآخر ينتظر «فاكس» لصورة «الإقامة» الملغاة كي يتمكن من العبور بالسيارة الى الوطن، وأن كل شيء حصل بسرعة، ولم نشأ أن نزعج البيت، ونصدمه بالرحيل المفاجئ. سيظن أن الغبار الذي عبق في جوه ما هو الا اشعار بحملة تنظيف قادمة.
وأن خزائنه التي فرغت من القمصان الملونة وشالات القطن والأحذية والأحزمة الكثيرة، سوف تستعيد ألقا جديدا عما قريب. فرقائق الكورنفليكس لا تزال في علبها، والجبنة البيضاء على رف الثلاجة، وقارورة ماء مفتوحة متروكة الى جانب السرير. هل هناك أفضل من هكذا تحايل؟
وحدها نظرة خاطفة الى الغرفة، في عتمة الصبح المبكر، فيما سائق التاكسي ينتظر في الأسفل، تقول الحقيقة: انها النظرة الأخيرة. العودة باتت مستحيلة!
الشمس تشرق. المشهد بات أوضح.
الضوء من الخارج يصطدم بالستارة البيضاء، فيلقي بنوره الى الداخل متوهجا كاشفا ومنيرا. الغبار بات أوضح. على الرفوف الفارغة يرسم شكل الكتب. اختفت أوراق الفن والفلسفة والسينما والرواية، وحلت مكانها خطوط من غبار. الكتب، حين نزيلها تترك علامات الغبار. الإنسان حين يرحل، أي علامات يترك؟
العطر في البيت عابق. على المناشف. الحمام الأخير دلف ماء ساخنا ومعه، ربما، اختلط بعض الدمع. البكاء تحت دفق الماء شفاء سريع. لا نترك الدموع تعلّم على الوجه لكي تصنع هالات وندوبات خفية، نزيلها بالماء مباشرة. من الحدقات الى مصرف البانيو. جهاز التهوية لا يبدد العطر. هذه الرائحة سيرفض البيت أن يتخلى عنها، ربما هي ضمانته الوحيدة لكي يتوهم العودة باستمرار.
على الشرفة، يجتمعون جميعهم. تزدحم بهم الأمتار القليلة. لكنهم يتوافدون واحدا تلو الآخر. يستندون الى الجدار الاسمنتي. يجرون حديثا سريعا. يضحكون. يلقون نكات عن «القائم بأعمال الشواء» وعن ذكريات المخيم الأخير على شاطئ مسندم، وكيف انتهى بهم المطاف في النهاية الى حرب بقطع البطيخ. ثم يختفون. يلقون بأنفسهم من الشرفة.
يتسربون الى أغصان الأشجار، وبعضهم يفتفت في التراب. يدخل غيرهم، وكأن الشرفة خشبة مسرح يستعرض الشخصيات ذواتهم عليها في صخب بلا ينتهي. عشاق ومجانين. عاجزون وتائهون. أصدقاء وأشباه أصدقاء. محبون وحاقدون.
ضيوف وأقارب. أم. أخ. أخت.. تغص الشرفة هذا الصباح بصورهم، أشباحهم. جاؤوا لكي يودعوا المرتحلين، لكنهم أخطأوا بالموعد، رغم أن العبارة كانت واضحة على «الفيس بوك».
البيت، سرعان ما سيستوعب الخدعة. سيحزن قليلا، يطلق بعضا من غضبه في الأجواء. ربما تنبعث حينذاك رائحة رطوبة، أو يتسرب ماء من تحت البلاط، أو تتوقف لمبات عن عملها. هكذا تعبر البيوت عادة عن غضبها من ساكنيها. لكنه، حين يعود الى هدوئه، ويغفر ويسامح، سيحتفظ بتلك النظرة الأخيرة، صورة على جدار الغرفة للأبد!