منتصف الليل. صالة السينما. يتوافدون إلى المقاعد. هل أتوا جميعهم لمشاهدة «راسيل كرو»؟ لكن هذا الفيلم ليس للتشويق، ولا من فئة «هاري بوتر»، وكرو لا يقفز عادة على السطوح ويتعلق بركائز طائرات الهليكوبتر، ولا يخوض «مهمات مستحيلة».

فلماذا يأتي هذا الجمهور الفتي إلى الصالة في هذا الوقت المتأخر؟ يدخلون فرادى وزرافات، بحقائب لويس فيتون وعطور شانيل، فتسيطر على الأجواء ذكريات أمسيات مهرجانات السينما. لكنه ليس مهرجاناً اليوم، وأنا، تحديداً، لست في مزاج مهرجانات.

أفكر برواية محمد المنسي قنديل. لقد فرغت للتو من قراءة صفحات من «يوم غائم في البر الغربي» في مكتبة «بوردرز» قبل أن أدخل السينما. لا تزال أحداث ما قرأت عالقة في ذهني.

أنظر إلى الشاشة الكبيرة السوداء التي لم تشعل صورها بعد، وأتخيل عائشة تودعها أمها الدير، في مكان ما من جنوب مصر، قرب النيل، وتسميها ماري لكي تحميها من تحرشات زوجها، عم الطفلة. يرن في بالي وصف قنديل:

«فيه من رعونة النيل الأبيض وبعض من حكمة النيل الأزرق». لطالما حلمت برحلة عبر النيل، طويلة تمتد لأيام وليال وقرى وناس وحكايات. أفكر في مخرجي سينما العرب، في ابتعادهم عن الروايات الجميلة التي تصلح لأن تكون أفلاما مؤثرة. لماذا لا يستوحي أحدهم سيناريو فيلم من رواية قنديل؟ تدخل صبية برفقة شابين. الإعلانات الآن بدأ بثها على الشاشة استباقاً للفيلم، ونورها المتخطف أتاح لي التأمل في هندام الفتاة.

بدت هيئتها رياضية، وكأنها قد تركت دراجتها النارية للتو عند باب السينما ودخلت. أبتسم لسذاجة الفكرة، لكن لا تلبث أن تمر دقائق قبل أن يدخل الصالة زوجان، يحملان قبعة الرأس الحديدية التي يرتديها سائقو الدراجات فعلا. تدخل منتقبة برفقة زوجها الملتحي. يدخل سرب من الشبان والشابات، يبعثون ضجة وجيزة، قبل أن يتمركزوا على المقاعد، ويطأطئوا رؤوسهم. أتساءل: لم؟ أترهب من السبب.

أقف هنيهة من مقعدي الخلفي وأراقب. أكتشف السبب: الجميع يحمل هواتف بلاك بيري. أتذكر النكتة التي أرسلها لي صديق عبر ال«بي بي» أخيراً:

اذا كنت تجالس خمسة أشخاص وقد نكسوا رؤوسهم في حضرتك، فهذا لا يعني أنك شخص مهيب، بل أنهم يملكون هاتف البلاك بيري الذي لا تمتلكه. يغادر الشاب الذي دخل مع الفتاة والشاب الآخر مقعده إلى جانبهما ويختار مقعداً آخر. في أثناء مروره، يدوس على أصابع رجليّ.

أكاد أصرخ. أفكر أنه لم يعتذر لأن له جسدا متعضلا. أفكر ان رجال العضلات يشعرون بأنه لا يتوجب عليهم الاعتذار من رجال اللاعضلات. أشعر بأنني راسيل كرو في مواجهة سيلفستر ستالون، وأعزي نفسي بأنني الأفضل والأذكى، ربما، لذلك لا أصرخ. يبدأ الفيلم. الأحداث تمضي رتيبة. نصف ساعة. ساعة. ساعة ونصف.

بدأت رقبتي تهوي على مسند المقعد، وبدأت أغوص فيه. عائشة تترك قاربها الصغير وتترجل إلى السجن. لا يبدو كالدير، انه سجن في ولاية أميركية.

كرو يدافع عن عائشة ويحاول تبرئتها. كرو تزوج عائشة. تتداخل رواية قنديل مع أحداث الفيلم وأعرف أنه وقت المغادرة. رجل العضلات كان الآن يشخر.