اردت شرب فنجان الموكا فسألتني النادلة أي نكهة معه أفضل، الفانيلا أم البندق أم جوز الهند، وحين اخترت جوز الهند، قالت ليس لدينا جوز الهند، فاخترت البندق، لكنني شربت الفنجان حتى كاد يفرغ وتذكرت أنني نسيت أمر البندق، فهو في القاع، وأنا لم أحرك القهوة، وحزنت لأنني تجرعت مرارتها فقط ولم أتذوق نكهتها، رغم أنني من طلبها، وندمت لأنني تركت البندق.
ورغبت بأن أجري مقابلة مع الفرح، وتخوفت أن تضيع مني الكلمات، فهرعت الى حصالتي أفتش فيها عن ثمن يكفي لشراء مسجلة ديجتال بحجم الكف، وكسرت أقلام الرصاص وسكبت عصير الليمون على كراساتي وقلت ان مسجلة الديجتال تكفي وأنها السبيل الى أروع لقاء.
وانتظرت الفرح، ووضعت المسجلة على خيار الـ «ريكورد»، لكن الفرح لم يأت، والجهاز لم يلتقط الا صوت الصمت، والبطارية نفدت، وخفت أن يباغتني فجأة وأنا غير مستعد، وندمت على تكسير أقلامي وهدر كراساتي.
وحلمت بأن أطير، فاشتريت خيوطاً من الغيوم وورقاً من قمم الأشجار وصنعت طائرة ملونة وآمنت أنها ستطير بي إلى القمر، وانتظرت العاصفة أن تهدأ والريح أن تستكين وأشباح الليل أن تعود الى مخابئها، وهرعت في الفجر إلى الشاطئ ورميت في حضن السماء طائرتي، لكنني عدت ونسيتها، وانشغلت عنها بصدفة ملونة غريبة عجيبة.
كما صندوق السينما الدوار، ونمت على الرمال مع الصدفة المغوية التي حكت لي أحلى الحكايات وروت لي أجمل الأساطير، ودعتني الى الاقامة في داخلها الى الأبد، ورتبت لي غرفة في الحكاية، وحين أفقت افتقدت طائرتي، وجاء عصفور المغيب يعلمني أن القمر سيفتح نافذته الليلة للطائرات الملونة، وندمت أشد الندم على ضياع طائرتي.
وتمنيت أن أصحو وقرنفلة بيضاء الى جانبي، وقررت أن أحصل على برعم، وأبحرت في الانترنت، وعرفت معلومات عن الزهور وكيفية انجابها ورعايتها، وكتبت بعض الأشعار احتفاءً بالبرعم الوليد، وخبأت له في خيالي حياة وحكايات.
لكنني أصبت بحساسية مفرطة، وظننت أن الاستيقاظ وقرنفلة الى جانبي قد يودي بي الى الاختناق، وعشت مع الحساسية زمناً طويلاً، واكتشفت أنها أفقدتني الاحساس. وظننت دواءها علاجاً فإذا به عذاب. وبحثت عن القرنفلة مرة أخرى وندمت أن موسم البراعم قد فات.
وتحمست لكتابة رواية، وعرفت عنوانها، وخلصت أبطالها من مشكلاتهم لكي أضمن لهم حياة جديدة في روايتي، وتفرغت لهم، وحملتهم معي الى أحلام الشهور والشهوة والانتشار والانتشاء، وجالستهم وساكنتهم وبدا أن كتابة الرواية أسهل من شرب الماء، واتفقنا على أن ننجزها سوية، مرة واحدة، خاطفة وسريعة.
وضربت لهم موعداً على مقهى «البولفارد»، ثم نسيت الموعد وتخلفت عنه، ففي الطريق الى المقهى قابلت أبطالاً جدد، ووجدت عنواناً آخر للرواية، وقلت هذه الأفضل، ودعاني أبطال روايتي الجديدة الى مساكنتهم للتعرف أكثر على حياتهم فأنقلها في الكتاب.
ورحبت لأكتشف أن لا مكان لوسادتي بينهم، فنمت على البلاط في المطبخ وأصبت بالأرق وهاجمتني الكوابيس، وهربت في الصباح الى مقهى «البولفارد»، فإذا بأبطال روايتي الأولى يجالسون كاتباً آخر، يشرب الموكا بنكهة البندق، ويعرف كيف يحركها جيداً.