اتصل بي صديق وقال انه ما انفك يستمع إلى أغنية واحدة عشرات المرات طوال الأيام الماضية. لوهلة ظننت أنها نوع من الأغاني المفضلة التي يختار المرء أن يساكنها فترة من الزمن، فيعلق ابرة الآي بود عليها، ويجعلها تحتكر أفكاره وأحاسيسه طاردة كل شيء، وكل أحد، آخر.

اختبرت ذلك مع أغنية »في أمل« من أسطوانة فيروز الجديدة، أدمنت على لحنها وكلماتها حتى تسربت إلى أحلامي، في الآونة الأخيرة.

لكن الصديق لم يكن يقصد هذا الطقس، فترداد الأغنية كان أمراً قسرياً فرض عليه من قبل منسق الأغاني في إحدى إذاعات الأف أم المحلية التي تحمل رقم الموجة 4 ,39.

ولا أدري ان كان المنسق موجود أصلاً، أم أن الإذاعة تعمل بمفردها وقد نسي »ناطور« المكتب أن يقفل البث قبل أن يغلق الباب ويمضي بعيداً. الأغنية التي »علقت« وبات بثها مكروراً حد الضجر.

كما هي مقدمات نشرات الأخبار على التلفزة اللبنانية، اسمها »تيك مي آواي«، أو »خذني بعيداً«، تؤديها نجمة برنامج »أميركان أيدول« ابنة الثمانية وعشرين عاماً التكساسية كيلي كلاركسون.

يقول المقطع الأول من الأغنية: »لا أجد وسيلة لكي أصف الأمر. لا أدري لماذا شعوري على هذا النحو. لكن ما أشعر به مختبيء في كل شيء. لكنني الآن اكتفيت، فتعال وخلصني من الألم، خذني بعيداً عن تفكيري وعن حبي لك«.

ولو كنت على مقعد الصديق، لما احتملت أن استمع إلى هذه الأغنية نصف مرة لا عشرات المرات. فأنا، ومعي منسق الأغاني، ربما، أو الناطور، نتشارك، هذه الأيام، حالات عاطفية صعبة تجعل من تكرار »تيك مي أواي« نوعاً من جلد الذات وتعذيبها، ولا أدري إن كان الصديق من أتباع المازوشية فلا شيء فيه يوحي بذلك، وان كان شكل لحيته قد يثير الريبة في هذا المجال.

»هذا الإحساس في داخلي لا يريد أن يزول. في مرات، أشعر أنني سأهوي من فرط الألم«، تقول كيلي. وأشاركها الرأي، فالألم، يمضي عميقاً ويعصر في القلب ويرمي في الروح وتداً يشدك إلى الأسفل، لكنك في الوقت ذاته قد تهوي من فرطه كأنك ريشة لا وزن لها. فالخواء هو الألم.

»تعال وخذني بعيداً عن حبي لك«، تكرر الأغنية. وأجد أن الأمر منطقي، فالحب قد يبدأ بطرف واحد ولا يستوي الا بطرفين وان انتهى بطرف واحد فهو يحتاج الى الطرفين كي تستقيم نهايته.

المسألة معقدة، وهي لا تخضع الى معادلات أو فلسفات واضحة، وأنا ممن يميلون لنظرية أوهام السعادة وزيف الفرح، فيما الحقيقة في البدء ماثلة في الألم. لكنني لن أثقل عليكم الآن بهذه الأفكار الحزينة، فكل ما في المدينة، من طقس وبهجة واحتفالات يعاكس هذا المزاج الحزين، والناس في الشارع تغني ومحطات الأف أم ماضية في صخبها وحيويتها، أو كسل »نواطيرها«.