قصة »واشنطن بوست« مع ترويج مصطلح »الحرب الطائفية« في العراق قديمة ومتجددة. فالصحيفة ما انفكت بين حين وآخر تنشر تقارير كتبها مراسلوها في العراق عن الاقتتال الطائفي، والبلد الذي تمزقه صراعات الشيعة والسنة، فتغرق عقول الأميركيين وغيرهم من القراء خلف البحار بهذه الحكايات، حتى يصير من الصعب عليهم أن يتذكروا أي شيء آخر.

أي شيء حتى مآسي الاحتلال الأميركي واجرام الآلة العسكرية الأميركية ومقتل مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء وتفتيت البنية التحتية ونهب مقدرات الأجيال وقتل العلماء وحروب أجهزة الاستخبارات التي تسرح وتمرح وفزاعات الارهابيين التي تطلع على الشاشات الاخبارية كلما زعقت غربان الحاجة وابو غريب وجنود مرضى وجنديات مختلات.

وقبل تقرير منظمة العفو الدولية الذي يأت مرجعا للخبراء في تقييم الوضع في العراق، على ضوء معلومات حاولت ان تلصق المسؤولية التاريخية للقتل والتشريد في ظهر »الحكومة العراقية«، حصرا، دأبت واشنطن بوست على الترويج لمحارق الحرب الطائفية.

وفي سبتمبر الماضي، كتب سفير العراق لدى واشنطن سمير الصميدعي في الصحيفة ذاتها ردا على تقرير نشرته الصحيفة نفسها تتحدث فيه عن »استمرار حرب طائفية« في العراق، منتقدا صحفييها على إلحاق عبارة »الحكومة العراقية التي يهيمن عليها شيعة« بدلا من استخدام توصيف حكومة الوحدة الوطنية.

ومما جاء في كلام الصميدعي آنذاك »لقد مضى العراق قدما لكن الإرهابيين تخلفوا إذ إنهم بينوا الأسبوع الماضي أن بمقدورهم القتل والتخريب والتسبب بالدمار»، متابعا »إلا أنهم أخفقوا بنحو رئيس في التسبب بحرب طائفية«.

ومضى السفير قائلا »ليس هناك دليلا على أن مثل هكذا حرب أمر ممكن في العراق«، مستدركا »لأن أبناء المجتمعات العراقية مدركون لمخاطر مثل هذه الحرب لأنها تخالف قيمهم وتقاليدهم«.

يوم الثلاثاء الماضي، عادت الصحيفة الى لعبتها الأثيرة، وكتب مراسلها ارنستو لوندونو تقريرا اختزل فيه كل مشكلات العراق بالحرب الطائفية، مستندا الى اختفاء رجل سني اسمه صبحي، تتهم عائلته السلطات »الشيعية« باعتقاله وتعذيبه.

ويلفت في التقرير الايحاء المباشر وغير المباشر الى كون طائفية العراقيين هي المسؤولة عن معاناتهم، فالبلاد »تحاول ببطء تجاوز محنة حرب طائفية طاحنة عصفت بها«، و »انحسار اشراف المؤسسة العسكرية الأميركية على قوات الأمن العراقية« ادى الى ارتكابها جرائم طائفية.

و»تقول نجوى رازق بنبرة غلب عليها الأنين: كنت أتمنى لو كان هناك اميركيون برفقتهم، حينها لم يكونوا ليظهروا هذا القدر من الوحشية واللانسانية«، و»قالت ايمان:

الصعق الكهربائي يشكل الأداة المفضلة لدى المسؤولين لأنها لا تترك آثارا«! ولا تنسى الصحيفة أن تذكر بالطبع انه »رغم ملايين الدولارات التي وجهتها الولايات المتحدة لمبادرات لفرض حكم القانون على العراق، زادت القضايا المعلقة بالمحاكم في بغداد®. بنسبة 01%لالا.

وتختم قصتها المؤثرة عن الاقتتال الطائفي: تسأل ابنته البالغة عامين عنه (عن أبيها) باستمرار.

واضحت زوجته:» نخبرها أنه مسافر خارج البلاد وعندما يعود سيحضر لها دمية«. أتخيّل احساس القراء يبكون تأثرا مع نهاية قراءة التقرير ويلعنون »غريزة الاقتتال الطائفي المتأصلة لدى العراقيين«.

وغدا حين ينبش الباحثون في صحافة اميركا عما جرى، سيظنون بفضل مقالات واشطن بوست انها كانت محض حرب طائفية خرجت عن وداعة الاشراف الأميركي!