شاهدت على »يوتيوب« مقاطع من برنامج تلفزيوني أجرى مناظرة بين مخرجة مصرية هي إيناس الدغيدي وممثلة هي آثار الحكيم. الكلام والردود المتبادلة، والتي لم تخل من اتهامات وتجريح شخصي، تمحورت حول مفهوم »الفن النظيف« الذي تمثله الحكيم، أي السينما التي تخلو من مشاهد الجنس وإيحاءاته، والذي تمتهنه الدغيدي في بعض أفلامها.
وبالطبع، لا يليق بفنانتين، من المفترض أنهما تركتا، كل على حدة، بصمات في تاريخ سينما مصر، أن يذهبا بالحوار إلى أسئلة عن »الكبت الجنسي« الذي تعاني منه الدغيدي بسبب عدم الزواج، على حد تعبير الحكيم، أو تاريخ آثار الصبية التي عملت نادلة في مقاهي الليل، كما سردت الدغيدي ثأراً لكرامتها.
من شاهد الحلقتين، أو تفقدهما على »يوتيوب« ضحك كثيراً إذ وجد فيهما متعة ووصلات من »الردح« تشبه ما يظهر في الأفلام، لكنه حقيقي وبين صانعي الأفلام نفسها. لكنني حزنت. ومرد حزني ليس باتجاه الدغيدي ولا آثار، وإنما الإعلامي، قائد الحوار، الذي ظن أنه لكي يصنع حلقة ناجحة من برنامجه، عليه أن يضع سيدتين في مواجهة »غرائزية« على العلن.
وكان من اللائق طرح الأسئلة بشكل موضوعي واحترافي، وبدل الشعارات التي ترفع دوماً حول أفلام الدغيدي، بوصفها هدامة للقيم، لماذا لا يتم النقاش معها في تقنيتها الاخراجية وأدواتها وما إن كان قد اعتراها وهن منذ »آسفة ارفض الطلاق« الى يومنا هذا. فمراقب مسيرتها قد يستغرب ان يكون مبدع أفلام »لحم رخيص« و»امرأة واحدة لا تكفي« هو نفسه من أخرج »مذكرات مراهقة« أو »الباحثات عن الحرية«.
هذا الفيلم تحديداً يحتوي على كادرات تصويرية، وأداء ممثل، وتقطيع مونتاج، ومظاهر أخرى في الفيلم تنم عن ضعف هائل في إمكانات المخرج وإدارته العملية السينمائية. لم أقرأ يوماً حواراً للدغيدي تطرق الى حرفيتها كمخرجة، وبوصفها احدى صانعات الأفلام القليلات في العالم العربي، بعيداً عن وصفها بالكافرة وناشرة الفاحشة.
في المقابل، تسأل الحكيم، التي نذكر لها أدواراً مؤثرة في دراما »الحب وأشياء أخرى« و»زيزينيا« وسينما »النمر والأنثى« و»بطل من ورق«، عن امكاناتها التمثيلية، مقارنة بمجايلاتها ليلى علوي والهام شاهين ورغدة وهالة صدقي.
»آثار آخرها تقعد على الكنبة وتربط شعرها بمنديل وتعيّط«، هذا هو التوصيف الذي أطلقته الدغيدي في تصنيفها للقدرة التمثيلية لدى آثار. هل هذا صحيح؟ لماذا لم ترد آثار على توصيف ينال من كيانها التمثيلي، بدل أن تنجر الى تقييم الحياة الشخصية للدغيدي: »هيّ شيخة ولا ممثلة؟«، تقول هذه الأخيرة.
مفاجأة هذه المناظرة، والتي تلقى رواجاً على »يوتيوب«، من الراغبين بالضحك والتسلية، لم تكن في المعلومات الواردة فيها، بل في المستوى الفكري الذي بينت عنه كل من الدغيدي والحكيم، وهو، برأيي، بدا متواضعاً للغاية وبعيداً عن الاحتراف، وهو يؤكد مرة جديدة أزمة المثقف والمبدع العربي، ان جازت لنا هذه التسميات.