كلما زرت ممشى »جي بي آر« في دبي لفحتني »حلاوة العيش«. هذا المصطلح الذي راج كثيراً في ستينات القرن الماضي في الصحف والكتابات الإبداعية، ينسب إلى الفيلم الإيطالي »لا دولشي فيتا« الذي يعني الفكرة ذاتها. أن تعيش وأن تحب العيش.

الطريف أنني لاحظت أن مطعماً إيطاليا يحمل الاسم ذاته موجود في الممشى. تواجهه بركة صغيرة، في وسطها نافورة مياه. لا تتوسط البركة الممشى، لكنها تتخذ موقعاً استراتيجياً فيه، كونها الأقرب إلى موقف السيارات المكشوف الذي تصطف فيه مئات العربات مواجهة البحر، فيما يبدو صرح »أتلانتس« من بعيد، كبوابة قصر الحكايات في أساطير السندباد وألف ليلة وليلة.

عند البركة جلست، في مواجهة »دولشي فيتا«، أردت مراقبة امتهان حلاوة العيش، وناسه. ولم أجد نفسي وحيداً في مهتمي، إذ بدا لي أن البركة ما هي إلا علامة تجمّع في هذا الممشى.

سيدة وقفت إلى جانبي تدخن سيجارتها بشراهة. كانت تنظر إلى البحر ثم إلى المقاهي التي تكدس على كراسيها الناس، ثم إلى سيجارتها، قبل أن تنفث الدخان وتعيد الكرة مرة جديدة. بدت سعيدة. كما لو أنها تشعر بمداعبة نسيم البحر العليل لشعرها المنسدل. أطفأت السيجارة وغادرت.

انتبهت الى أطفال باتوا الآن متحلقين حول البركة. يمدون أيديهم ويلعبون بماء النافورة. يبحثون في الماء عن شيء ما. ربما عن أسماك لم يجدوها أو لعبة بلاستيكية أوقعها أحدهم بالخطأ أو جائزة منسية، خاتم ربما. سرعان ما ينصرفون.

صيحة الرجل الذي بدا كأنه الأب دفعتهم للانصراف. ركضوا يقهقهون. المارة يتحدثون لغات كثيرة. بعضها أتعرف إليه والبعض الآخر أحاول تخمينه. مدهش هذا التقارب بين اللغات على رصيف واحد.

لطالما أغرتني فكرة »برج بابل« ووجدت في دبي صورتها العصرية. التركية، الألمانية، الفارسية، الروسية، الهندية، الفلبينية، الإنجليزية، الفرنسية ولغات أخرى، الى جانب العربية بالطبع، تحكي حكايات وتبوح بأسرار وترسم أحلاماً وتخفف عن ضيق الصدر ولوعة الأفكار على رصيف ال»دولشي فيتا«.

أقول لنفسي، ليتني أتمكن من التقاط هذه الحكايات، وتفحص الجسور في ما بينها. في دقيقة واحدة، في لحظة واحدة، تمر الحكايات جنباً إلى جنب. تتقارب للحظة وتفترق.

ليتني أتمكن من التقاط لحظة التقارب تلك وتجميدها وفحصها واستجلاء أسرارها. هذه التقطاعات هي التي تحمل أسرار المدينة، ولطالما رغبت بتقصي هذه الأسرار.

أنظر الى الوجوه، أبطال الحكايات. كم هو احتمال أن تقابل في الشارع وجهاً تعرفه، واحداً من مئة، من ألف؟ مهما كان الاحتمال فالأكيد أنه أكبر على هذا الرصيف. الجميع يريد أن يكون هنا.

أن يراقب ويكون مراقباً. أن يشعر بحلاوة العيش، وهل من مكان آخر أجدر بها من شاطئ ونسيم وصخب مقاه وصيحات حياة وألوان وأشكال تستعرض ذاتها طوال الوقت؟ أفكر بشوارع أخرى زرتها في مدن شاطئية حول العالم. »كيب تاون« في جنوب افريقيا و»كان« في فرنسا تحضران مباشرة على البال. صحيح أن الممشى هناك يعج بخليط الثقافات. الفرق أنهم هناك سواح، بينما هنا سكان المدينة. أبناء المدينة.