إذا كنت تشرب فنجان القهوة وأنت تقرأ هذه الكلمات فضعه جانباً، واحترم «قداسة التعابير». نتحدث اليوم عن علاقة المطلقية بالسيمياء، وانعكاسها على مفاهيم مثل الاتصالية والتضايف والتناظر والامبريقية، من دون أن ننسى أن نعرج على الابستمولوجيا والمذهب الماهوي والمذهب الردي وفرضية الارتداد اللامتناه!

هل فهمتهم شيئاً؟ بالتأكيد لا، ولو كنت مكانكم لرميت الصحيفة جانباً، وأكملت شرب قهوتي، من دون أن أعكر مزاجي في أول الصباح، في محاولة فك شيفرة هذا الاستغلاق. شخصياً، لا أفقه معنى هذه الكلمات، لكنني أصادف كثيراً من نوعيتها لدى مطالعتي بعض المقالات في الصحف والدوريات العربية، والتي تهدف الى أن تكون «نخبوية» و«متنورة» في الوقت ذاته. ولطالما اعتقدت بأن النخبوية هي نقيض للتنوير، فهي تنطوي على الكثير من الادعاء والعنصرية، وهما، بنظري، صنوان للجهل.

ويطلق الإنجليز على هذا النمط من الكتابات التي تتخذ من الغموض هدفاً لها الـ«مامبو جامبو»؛ أي التخاريف والخزعبلات، بينما يقول الفرنسيون إنها تشبه «لغة الخشب» (لونغاج دو بوا)؛ أي الكلمات التي تقول كي لا تقول، ويصفها الألمان بال «هوكوس بوكوس» أي الألاعيب والهراء.

لكن هذه المشكلة ليست تخصصاً للغة الضاد العربية، وقد خيضت على مدى النصف قرن الماضي معارك فكرية في ألمانيا وفرنسا والنمسا وانجلترا، بين علماء فلسفة واجتماع، محورها الإطار الذي يرسم نقلنا للمعرفة، وتأثير هذه المعرفة في حياتنا اليومية، وما إذا كان لذلك الإطار وظيفة مفيدة، أم أن كل الجهد ينطوي فقط على تكريس الإطار وتقديسه بغض النظر عما يحويه.

وأذكر جيداً بحثاً اجتماعياً، بغاية الذكاء والطرافة، أجراه الفيلسوف السير كارل بوبر، بعنوان «الثورة أم العقل»، بيّن فيه كيف أن الكثير من المفكرين يلجؤون إلى صوغ أفكار عادية جداً بلغة غامضة، ظناً منهم بأنهم يضاعفون بذلك من أهمية طروحاتهم.

لقد انتقد بوبر أحد رواد هذا الأسلوب الفيلسوف هابرماس صاحب كتاب «الجدال الوضعي في علم الاجتماع الألماني»، وقام برسم جدول وضع فيه بعض العبارات التي كتبها هابرماس، وأعاد هو صوغها بطريقة بسيطة من دون أن يمس المعنى. بحثت عن هذه الدراسة وعدت إلى الجدول الساخر، ووجدت أن بوبر اختصر بعبارة «يتألف المجتمع من علاقات اجتماعية»، عبارة هابرماس القائلة: «لا تسوس الكلية المجتمعية حياة خاصة بها علاوة على الوحدات التي تجمع بينها، وهي بدورها تتألف منها». هل فهمنا شيئاً؟، مجدداً لا!

وعلى هذا المنوال تمتلئ دورياتنا العربية بكلام من السهل أن تخط تحته سطوراً وتحوله في جدول، كما جدول بوبر، إلى عبارات أخرى أكثر وضوحا. وبدل أن نغرق في ظلام اللغة، وفي ذلك الرطن من العبارات الذي لا يفعل إلا إرهاق قدرة التفكير وطاقة التبصر، علينا أن نحاول، قدر المستطاع، الخروج بأفكار من شأنها أن تغير او تسهم في تغيير حياة الناس بالاتجاه الذي يطمحون إليه. حينئذ فقط، بوسعنا أن نطلق على أنفسنا أوصاف الخبراء والمتخصصين والمبدعين، وإلا فإننا لن نكون أكثر من جماعة الـ« مامبو جامبو»!

ibrahimt@albayan.ae