على خدر مخدرة تنتهي الأحلام كأنها الرؤى الأخيرة. تنسل الصور الى ألوانها المعتقة، في خوابي النسيان. تهيم الأفكار متخففة في فضاء من اللاشيء. تستكين الارادة ويهجم النعاس كهروب وديع. تعلو الابتسامة الشفتين أخيراً وتغمض العينان الستارة على الأحداث المؤلمة والمضحكة. يقفز حلم، يقول: انا الأجدى. أنا الأبقى. سأعق الروح والفكر، وأعشش في شجرة الأيام.أنا أعلن عن نفسي: طفل صغير يتأرجح بين شجرتي صنوبر.

تهطل عليه طائرة ورق من السماء، تشيله عن أرجوحته، تحلق به بعيداً، يرى أطفالاً يقطفون العنب وآخرين ينقرون الصدف على الشواطئ وآخرين يعذبون قطة وبعضهم يحبس نحلة في وردة ويقدمها الى البنات المنتظرات عند موقف الحافلة. ويرى طفلاً، في مكتبة المدرسة، جالساً يتأمل المطر المتسحب على الزجاج، الذي يحول صور رفاق الصف الى أشباح ترقص تحت الماء، وحكايات مبكرة ترويها نازك الملائكة في كتاب بدفتين حمراوين وجناحين أزرقين.

«أنا الطفل السارح الهائم الدافئ، وليف المطر وحبيس الشعر، الباقي الى الأبد»، يقول الحلم، ولفرط انفعاله ينزلق عن رمش العيش ويذوي. يجد آخر فرصته السانحة.يتسيد المنصة كأنه «المصطفى» الذي سيخطب في الجموع، كما في «نبي» جبران خليل جبران. يصيح: أحلامكم ليست لكم، احلامكم أفكار السديم. وحين تحلمون لا تبوحوا، فثمة ما في الحلم عند البوح يتشقق. ففيه طاقة يجعلها الخباء تنير وتنور، قنديلاً يرسم الخطى ونداءً بعيداً كأنه همس الأيام المحتجبة.

وهو السحر الباقي من ليل طويل، لم يكن غيره، قبل أن تتغلب عليه الشمس، وتبدد نصفه، ليبقى النصف الآخر حاملاً تعويذته التي ان انقلبت، بسبب البوح، تحول الحلم الى كابوس، وانقلبت فراشات البحيرات الى خفافيش للكهوف. أحلامكم ليست لكم، احلامكم بقايا التعاويذ الساحرة فحافظوا عليها، يقول ويمضي. «انا حلم الفتوة. شهوة الدنيا. حسرة العجز، واقد النار»، يتدحرج حلم جديد على المخدة كأنه لاعب أكروبات في سيرك روسي أو ممثل يجري تدريباته على خشبة مونودراما: «انا الوحيد والأوحد، لا شيء قبلي ولا شيء بعدي».

ويعلن عن نفسه: شاب يقحط ألوان الجدران الباهتة ويرسم عليها حروفاً مضيئة. يجول المدن، الأزقة الضيقة والساحات المستديرة، يحط على عتبات القرى وينسل من بين الجسور، يفتش عن جدار، عن صفحة، يحبرها، بالحروف. يكتب طويلاً، كثيراً، غزيراً، يمطر حبراً كما لو أنه مندور لتسجيل الايام. يوقع اسمه على الجدران وينظر الى عيون المارة: هذا أنا، تعالوا فاقرأوا، وتحدثوا عما قرأتم وعمن كتب. هذه جدرانكم، اعطيها قيمة الأيام، وهذا أنا فمجدوني. فمجدوني. يصرخ، ولا ينتبه الى جدار قحطه بشدة، فوهنت أساساته وانهار على رأسه فذاب.

رائحة الغاردينيا تهب فجأة ومعها وجهه الصبوح «الأصبحي». يمشي بثقة من عرف سحر الحياة ومعنى الوجود. يقول: «انا العشق. انا حلم الصبايا ووله الشبان. ساعة الأيام وموسيقى الوقت. هادم الوحدة وباعث الفرح. أنا الأبقى، انا الباقي».من بعيد يرن صوت المنبه. يحرض على الاستيقاظ. انه يوم جديد. يوم آخر جديد. يوم آخر رتيب جديد. يقوم الناعس من خدره. ينتبه الى زهرة الغاردينيا التي ذبلت قرب سريره. باتت رائحتها منفرة. يلتقطها. يرميها. يمضي.

ibrahimt@albayan.ae