وتظن أن عبور البوابات سهل؟ كوثبة قطة جائعة، كسراب فراشة هاربة؟ لا تتأهب ولا تتهيأ، فقط تعبر. لا تتفقد كم في حناياك رصيد من القوة يعينك. تعبر البوابة فحسب، ثم تنتبه أن لا رصيد لديك، وأنك ستخسر وتعيش العقاب.

الصور ضبابية، فجأة، كسماء المدينة تتكدس فيها الغيوم في لحظة، من دون سابق إنذار. تمطر. تفرح قليلاً وتتذكر أن هذا الفرح لن يدوم، لأن المطر لن يدوم. ان هذه البقع الرمادية على جدران المباني ستجف بسرعة، قبل أن ترسم لها في خيالاتك أشكالاً لمخلوقات خرافية أو خرائط بلاد لم تزرها بعد. المياه، في الشارع، تزعج المارة، لكنها تفرحك.

لطالما استهوتك أفكار الطوفان. حين تتنقل في قارب صغير في أزقة تغمرها المياه، وتصبح قريباً من شرفات الناس، وتهديك فتاة جميلة من شباك المطبخ زوادة. لكنها أفكار شاعرية. تصلح لأن تكون مشاهد في مغامرات السندباد. واقع الطوفان أصعب بكثير. موت وطاعون بعد الموت. فناء وقحط بعد الفناء. الطوفان صعب، وشاعريته قاتلة، تماماً كما عبور البوابة من دون رصيد.

الجسر خدعة. يوصلك من ضفة الى أخرى، لكنك لا تنفك تدور في ذات الحلقة. يرفعك قليلاً عن مستوى الأرض، تنظر من فوق، لبرهة، فتظن أنك أعلى من الناس وسياراتهم والشاحنات وحمولاتها والساحات وأزهارها، تظن أنك طائر، حر، تشرف على الأحياء والأشياء، لكنك ما تلبث أن تهبط، كعصفور مكسور الجناح، كرائد فضاء فشل في مهمته، كملاك مطرود. تنزل، وتصير في مستوى الأحياء والأشياء، وتعرف أنك جزء منهم وأنك لم تغادرهم يوماً، وأن عبور البوابة ما هو الا وهم.

التواصل ضنين. تحاول أن تبحث في دفاتر قديمة عن عناوين وأرقام هواتف لأصدقاء انشغلت عنهم وانشغلوا عنك. تتواصل معهم. تتكلم عن أطفالهم وأسرهم ومشاريعهم العائلية. تحاول أن تفتح ذاكرتهم على صور عتيقة.

ان تحكي قصة مشتركة حصلت في مقهى أو جامعة أو تظاهرة جمعتكما قبل عقد من الزمن. تنكش طرفة أو نكسة، فرح لقاء أو حسرة بكاء، تكتشف أنك كمن يريد اخراج أفلام كاميرات لم تحمض بعد، في زمن باتت فيه صورة الديجتال هي الأساس.

الديجتال فوري لحظوي ومريح. تحميض الأفلام نوستالجيا لا حاجة لها بعد الآن. تقرر أنك ستخفف التواصل مع أصدقاء الماضي، وتسأل عمن يتواصل معك، تصلك رسالة على هاتفك الشخصي، تتلهف لقراءتها، لكن الواقع يضربك: ثمة من يذكرك بأنك عبرت البوابة من دون رصيد. تقول: الحمد الله، على الاقل هناك من تذكر أن يذكرك، أن يتواصل معك.

في المرة المقبلة التي تقترب فيها من البوابة، ستفكر مرتين: هذا العبور خادع ولا طاقة لك عليه. الرجوع بات مستحيلاً. لا مهرب من الحل الوحيد: لا تتقدم، لا تتراجع. تظل مكانك. تختفي. تتبدد.