أحن إلى القاهرة. اللقاء الأخير معها كان في يناير قبل أربع سنوات. يقترب يناير، والقاهرة قريبة وبعيدة. الأصدقاء على »الفيس بوك« يسألون كل مرة عن الحال والأحوال وعن موعد الزيارة المقبلة. »قريباً«، تكون الاجابة ولا أعرف متى »القريب«. أحب ميدان طلعت حرب. تأخذني الذكريات الى أمكنته وزواياه كلما تخيلت القاهرة.
آنذاك، حين زرت الميدان، كان تمثال رجل الصناعة مغطى تماماً، وكانت النكت تلفه من كل حدب وصوب. يسخر المصريون من تماثيلهم المثبتة في وسط الساحات، يحبونها أحياناً ويضجرون منها في مرات أخرى.
يتداعون للقاء حولها في وقت السلم والتظاهرات، يستقبلون أصدقاءهم الآتين من بلاد بعيدة عند قواعدها، لكنهم يطلقون حولها النكات، كما حول كل شيء في القاهرة الغارقة في حواديت »سفاح المعادي« و»أكياس الدم الملوثة«، القضيتان الرئيسيتان اللتان ظللتا اقامتي آنذاك.
في ميدانه، في وسط القاهرة، كان تمثال طلعت حرب قد اختفى تحت تسويرة من قماش ابيض. بدا كالمكفن. رحل رجل الاقتصاد المصري في الحادي والعشرين من اغسطس عام 1914، وبعد أكثر من نصف قرن كان قد تكفن، كما قالت لي سمية ضاحكة: »ربما يعدّون مفاجأة. قد يرفعون الغطاء ذات صباح، هاتفين في وجوهنا: سوربرايز«! المصري ابن نكتة والنكتة، كما الصرخة، يوجهها الشارع ضد القمع.
النكتة التي تسري كلما تم تغطية تمثال تقول: »غطوا التماثيل وبدلوا وجوهها. وسيزيحون الستائر عن طلعت حرب وسعد زغلول والتماثيل الاخرى، لنراها كلها ذات وجه واحد. واحد فقط«.
الميدان المحيط بالتمثال يحتفظ دوماً بروح، وان كانت متحللة، من زمن »الخواجات«. تلك العمائر، أوروبية الطراز، التي بنيت في زمن الخديوي اسماعيل، لا يبدو أن هناك اهتماماً جدياً لازالة أكوام التراب العالقة على نواصيها والاعمدة.
زكي الدسوقي (عادل امام)، في فيلم »عمارة يعقوبيان«، ترك صوته في الميدان ورحل: »احنا في زمن المسخ«. عبارة كررها لي، العم شادي، منظف عتبة مقهى »جروبي« العريق، الذي يواجه التمثال. يدعك بالماء والصابون نقشاً فسيفسائياً عند العتبة، خطّ بحروف كبيرة كلمتي: »قفير النحل«.
يفسّر: »هذا يعني عتبة بيضاء. عتبة خير. الخواجات كان قلبهم على البلد، مش زي النهارده، الكل قلبو على®.«، يتفوه بالشتائم ويغادر. لا تمضي نصف ساعة قبل أن يعاود التراب الاسود سيطرته على »قفير« الخواجات على عتبة المقهى الذي ظهر في نصف الأفلام الكلاسيكية لسينما مصر: »اراك عند جروبي®. الساعة اتنين«، عبارة تختصر زمناً جميلاً، لا أحد، في الشارع، يبدو واثقاً من عودته.
ثمة ترنيمات أخرى تتغنى بصوت سيد درويش: »بلادي®®. بلادي«. تأتي من صوب الشرفات المطلة على الميدان. ثمة أطياف لرجال ونساء وأطفال كانوا قد وقفوا هناك، منذ أيام، ورموا البالونات والزغاريد على تمثال جدهم الأكبر الملك الفرعوني رمسيس أثناء مروره التاريخي منقولاً من وسط العاصمة إلى مكانه الجديد في المتحف الكبير على أطراف القاهرة.
