مقاربة بعض برامج التلفزيون للموضة باتت تنطوي على عنف وليس جمالا. عنف الموضة. أن تكون «على الموضة» فتلك دعوة صريحة، لحوحة وقاسية لم يعد يراد لك أن تواجهها بالتجاهل أو الاستيعاب البطء أو موالفة الأمر بحسب مزاجك ورغبتك الشخصية. كن على الموضة أو فلتكن خارج «المجموعة». و«المجموعة» تسوّق نفسها بحذاقة كبرى تمكنها من الادعاء، زيفا أو حقيقة، بأنها «لوبي» ضاغط على أنفاسك وحريتك الشخصية، ما لم تنضم إلى جوّها و«مسيرتها».

تقتحم «برامج الموضة» خزائن ملابس الناس وتتفقدها بعين ثاقبة، من المفترض كما يشير «الجينيريك» أنها عين «خبيرة». تبحث عن الثقوب في أطراف السراويل، يستفزها بهتان اللون، تثير اشمئزازها آثار البقع على أطراف الأكمام وتجعلها الخيطان المدلاة من القماش تخرج عن طورها.

تتقصّد هذه البرامج أن تؤدي دورها على هيئة من العدائية المفرطة تجاه خزائن الناس فتسخر من أذواقهم واختياراتهم وألوانهم المفضلة وأيضاً من ظروفهم التي جعلتهم يختارون هنداما «غير مرتب»، بحسب تقويم هذه البرامج بما أن على رأسها «خبراء».

في مبالغتها بإظهار قرفها مما لا يعجبها، تخال لوهلة أن مقدمة تلك النوعية من البرامج ستخرج من جيوب الملابس المتجمّعة أمامها أكواماً من الضفادع أو الجراد أو القمل. ذلك القرف الذي يظهر على وجهها وهي تعاين الملابس يبثّ إليك هذا الانطباع بسهولة.

فأصابعها تلتقط أنفها، لتعطيل حاسة الشم التي قد تورّد لها روائح مؤذية و«غير مرتبة» مثل العرق أو رطوبة الخزائن المقفلة أو «النفتلين»، وجبينها مقطّب على الاستغراب والدهشة والغضب، كما أن لسانها يسوق تعبيرات مثل: «ياي شي بيقرف... ياي، ما بصدق... ياي، شو هيدا...»، وغيرها من التوصيفات العنيفة التي تستبق التخلّص من الملابس اللعينة ورميها في سلة المهملات.

واذا تركنا خيالنا يسرح قليلا سوف نتوقع، في الفترات المقبلة، انضمام بعض أنواع المحروقات إلى عدة البرامج كي تساعد المذيعة على إتمام مهمتها بنظافة من دون التعرض إلى خطر الإصابة بمرض معد يسري إليها من ملابس العباد. لكن هذا خيار قد يستدعي خطر الدخان والتلوث و«شحبرة» الوجوه.

طبعا سيلي ما سبق، مرحلة اصطحاب المشتركين إلى متاجر وصالونات تجميل وحلاقة ورياضة ضمن «بيزنس» الترويج الإعلاني غير المباشر لهذه المحلات، وهو جوهر الفكرة وبيت القصيد.

في نمط آخر، تمارس خبيرات الأزياء عنفا آخر بذريعة الموضة: يتم إجلاس إحدى الفتيات (العارضات) على كرسي، فيما يمعن مزيّن الشعر بتحريك مقص الموضة خاصته في شعر الفتاة التي تبدو ضاحكة باستمرار من دون أن تنطق بحرف. وفي الوقت الذي يقدم كل من المزيّن والمذيعة الشروحات الحيّة المباشرة إلى جمهور المشاهدين، سنستمع إليهما يتكلمان عن الفتاة بصيغة الغائب:« إنها... هي... انظروا إليها». وهي، كما دائماً، لا تقوى على النطق: فقط الابتسامة، وسعادة الاستسلام لمنظّري الموضة وخبرائها وارتداء حال من الاستلاب إزاء خطابهم و«فكرهم».

في زمن مضى، كانت مجاراة الموضة خياراً الكثر بيننا. ما يريد التلفزيون، وخلفه شركات ومؤسسات عملاقة، أن يكرّسه اليوم هو النقيض: الموضة حاجة وجودية، حضورها في حياتك يجعلك (إن) وغيابها يرميك «آوت»!

ibrahimt@albayan.ae