بكت. المسك، الذي تفوح رائحته في «السكة» (الزقاق) يخترق مسامات جسدها الممشوق، وهي قاربت الأربعين. يأخذها عطره إلى الإسكندرية. من زقاق السوق إلى مسارب الكورنيش. شتاء وبحر هائج و «نوة» تطيّر السعف عن تيجان النخل، وطفلها الصغير يتعلق بطرف ثوبها، يريد أن يأكل «الآيس كريم المعجون بالمستكة من عند جيلاتي عزة». كبر عصام.
ثماني عشرة سنة مرت. اليوم، يبدو فتياً ونابضاً بالحياة، وهو يتوسط صديقيه في الصورة التي علقتها أمه بجوار مكتبها: «هذه في كندا. يدرس هناك. كلما اشتممت تلك الرائحة تذكرته وبكيت». في دبي، تعمل الأمهات. يجهدن، كما الرجال. في بيوتهن شيء من الوحشة. حين يكون الأطفال صغاراً، ينام، في البيت، الغرباء. المربية التي تعتني بالطفل، فيما ذووه في العمل، يقتفون طريق الأحلام الصغيرة والمشروعة. يطمحون بعيشة هانئة وآمنة بعيدة من أوطان الحرب والفقر والاضطهاد والتخلف... يقتفون رائحة المسك، لكن الوحشة تظل في البيت.
«في طفولتهم، نضطر لأن نوكل الاعتناء بهم إلى المربيات. الخادمة تعيش معنا في البيت، وتربي الأطفال في غيابنا». حين يشبون، يسافرون إلى أوروبا أو أميركا. «كان حلم حياتي أن يدرس ابني في جامعة لائقة في الخارج. دبي أعطتنا. جهدنا، فأعطتنا. ادخرنا وتمكنا من تعليمه في جامعة في كندا. غداً يعود إلى الإمارات ويجد فرصة عمل رائعة. هذه البلاد لا تنفذ منها اليفرص. اشتاق إليه اليوم، كما كنت اشتاق إليه في صغره، وهو بين ايدي المربية». تبدو الأحلام صغيرة وحميمية، لكنها مؤجلة.
تشتاق الى قبلة على وجنيته. وهل يكون للقبلة الطعم ذاته إن كبر الأبناء بعيداً من البيت؟
أم أخرى، أعرفها، وأعرف لها حكاية أخرى. ديانا. ترسل ابنتها الى بيروت ثلاثة شهور في السنة: «لا أستطيع أن اعتني بها طوال الوقت. أمي تعاونني. حاولت أن أقنعها بأن تترك لبنان وتعيش معي في دبي، فأبت وقالت انها قد «تطق» بعيداً عن جاراتها، وهي لا تزال ترغب في أن تمد سلتها القش من الشرفة، فيضع فيها البقال بيضاً وخبزاً. قالت لي: أرسلي ابنتك إليّ، وأنا اعتني بها».
سلة في بيروت ودخان. وديانا تموت هلعاً كلما مر شريط أخبار على «الجزيرة» فيه كلمة بيروت: «لكنني أعيد إرسالها في كل مرة، عليها ان تتربى مع أطفال من بيئتها. يجب أن تكبر وتتعرف الى جدها وجدتها وأولاد العموم والخالات».
ولكن أحياناً، بيت الجد يخرب الأطفال. هكذا تقول الأم الثالثة: أرى جانباً ايجابياً في تربية ابنتي بعيداً عن دار العائلة الكبيرة. ستكتسب طباعاً أكثر هدوءاً». تحرص رانية على أن تشب ابنتها وسط «أبناء الجالية». تحملها في أيام عطلتها إلى «فان سيتي» في مركز «ميركاتو» التجاري. تلعب الطفلة، وتراقبها الأم من بعيد. وأحياناً، تضطر لأن ترد على مكالمات العمل.
وفي مرات طارئة، تستدعي الزوج أو المربية، حين يضطرها عملها الإعلامي إلى الحضور فجأة إلى مركز العمل. لكن، هناك لحظات صافية، اجتمع فيها الابوان، وقررا ان يدخرا مصاريف مدرسة الطفلة وجامعتها قبل أوانهما بعقود: «فتحت حساباً مصرفياً في بلدي، ادخر فيه لطفلتي مصاريف الدراسةلالا.
ثلاث أمهات كلما التقيت بهن شعرت بأن المدينة تنضح بالأمومة.
