مراسلو الحرب أبطال شعبيون. هو قدرهم وليس طلبهم. بعضهم يختار الوقوف على الجبهة، ربما، لكنه لا يطلب الموت، بالتأكيد. المراسلون يتحسبون الموت، يرقبونه بخوف وحذر، وربما ساورتهم الهواجس وطن ذلك الصوت في قلوبهم وعقولهم، كشيطان يهمس بخبث: »لا شيء يستاهل، ولا حتى ان سقطتم أمام الكاميرا. أمام الملايين. سوف يحزنون.

وقد يبكون، ويمر الخبر في أسفل الشاشة، لكن النشرة ستستمر، وصوركم قد تستخدم في لقطات ترويجية، لاحقاً، تتحدث عن جرأة القناة وتضحيتها والثمن الغالي الذي تبذله في سبيل الحقيقة®.

أو أن تكون أقرب إلى الحقيقة®®. لا شيء يستاهل، ارجعوا إلى مقراتكم الآمنة«. لكنّ مراسلي الحرب لا يصغون. يقررون البقاء. يرتدون الخوذات. يقولون، بعيونهم، لزميلهم المحاور من قلب الاستوديو، خارج الحدود، في بلد آخر، »أرجوك اختصر«.قناة الجزيرة احتفلت قبل ايام بعيد ميلادها الرابع عشر.

تذكر الجميع شهداءها من مراسلي الحرب الذين قتلوا في الميدان. قناة العربية تستخدم صدى أصواتهم الأخيرة، قبل أن يفقد الصوت والصورة، في حملاتها بين حين وآخر:»هل تسمعني؟ هل تسمعني؟

«.المذيع في الاستوديو غير المراسل على الارض. حين يتحاوران، ينسى للحظة واجبه الانساني ويتمادى في الأسئلة. يريد المعلومة، ثم ينتبه. يختم الحوار بالجملة المعلومة: »انتبهوا على أنفسكم«. حين يختفي المراسل، وينقطع الاتصال به، يدب الرعب في الاستوديو وفي قلوب الجمهور الذي يتابع. ثم يظهر. كما عباس ناصر بعد حادثة أسطول الحرية.

هذه المرة، يروي قصته الشخصية. في العادة، ينقل قصص الآخرين. من مات منهم، يذكره رقماً واسماً وحيزاً جغرافياً ووقتاً زمنياً. من نجا، يبادر إلى إجراء لقاء معه. هذه المرة، هو الناجي.

هو من تقال له عبارة »الحمد الله على السلامة«. لذلك، فرسالته تكون شخصية جداً. »كنت على مسافة أمتار من الموت«، يستخدم تاء المتكلم، في مرات نادرة يسمح فيها للمذيع بأن يستخدم صيغة »الأنا«. قال لي صديق ممن يعملون في إحدى الفضائيات انهم اعتادوا على توجيه الإنذارات إلى المراسلين الذين يستخدمون صيغة الأنا، ويعبرون عن وجهات نظر شخصية، في رسائلهم الإخبارية. لكنّ الوضع مختلف هذه المرة. انه الموت، وقد صار قريباً من ناقله.

انه الموت وقد أعاد المراسل إلى صفته الإنسانية. بشري مثلنا وقد يقتل.هو بطل شعبي، كونه ماثلاً أمام الملايين والموت يطل من خلفه. راوياً لسيرة الموت ومتغلباً عليه. تماماً، كما أبطال القصص الشعبية. عنترة والظاهر بيبرس وحمزة وعلي الزيبق والأميرة ذات الهمة. يحكي الراوي عن مصارعتهم للموت. توغلهم في أنفاقه وخروجهم سالمين.انها، ما تسميه الحكايات الشعبية الأسطورية »النفيلة«.

أي المواجهة الصعبة مع الموت والتفوق عليه. العقدة الدرامية التي تنحبك وتقطع نفس المستمع إلى السيرة، خوفاً على أبطاله، قبل أن يتنفس الصعداء، بعد أن ينتصر البطل على الموت، محققاً ذلك التحدي المسمى »نفيلة« أو »كرامة«.أسماء كثيرة من مراسلينا العرب حفرت في الوجدان البطولي الشعبي، آخرون، اغتيلوا.

رحلوا إلى الذاكرة الشعبية التي ما عادت تتسع لأرقام الموتى. قد يغتالهم النسيان مرة أخرى. أما أولئك، فقد تحولوا أبطالاً، وهم كذلك فعلاً، لأنهم®. ظلوا أحياء.