السيدة الشقراء على غلاف الكتاب ترتدي ثوباً بدوياً. الأوروبية التي زارت بتراء الأردن يوماً ما وآنستها حياة البدو، تزوجت منهم، ثم كتبت قصتها ونشرتها في كتاب. الكتاب وقعت عليه في قسم كتب الأدلة السياحية في المكتبة. الصورة أخذتني الى ذكريات بعيدة. زيارتي الأولى الى البتراء قبل سنوات، ومخالطتي عالم البدو.

يهبط الليل على البتراء ومعه أغانٍ قديمة ملغزة تأتي من قمم الجبل. وحده عيسى، البدوي الممتطي حماره، يعرف جيداً »شيفرة« تلك الأغاني. ولد هنا، في قرية عالقة بين كهوف زهرية، وأنجب، وأصبح في السابعة والعشرين من عمره أخاً لعشرين وأباً لأربعة وجاهزاً لزوجة ثانية ومالكاً لحمار يسميه »مايكل جاكسون«، فهو »يرقص على أنغام عودي رقصات غربية«.

يوجّه »فنان البادية«، كما يلقبه أصحابه والأدلاء السياحيون، تحية الى »شعب لبنان الصامد«. يجلس في الكهف، على الدرج المؤدي الى الدير، القابع في الأعلى على مسافة 800 درجة محفورة في الصخر، ويشرب الشاي مع الجدة والأصحاب.

لا تتحدث الجدة كثيراً. تبتسم لحكايات عيسى فتغور عيناها الصغيرتان في بحيرتين من الكحل الأسود، ويبدو ذقنها الموشوم أكثر بروزاً. تتدخل بين حين وآخر لتسأل ان كان بوسعها أن تصب المزيد من الشاي. صمتها يلف المكان بغموض، يضاعفه سحر هبوط أشعة المغيب الوردية على صخر وردي.

حكايات عيسى المسلية لا تكسر ذلك الغموض. بعيداً من الكاميرا التي كانت تسجل حديثه، يكون أكثر حميمية. يتحدث عن ذلك الخلاء في مكان ما من قرية النبي هارون في أعلى الجبل، حيث »لي بقعة سرية لا يعرف السياح لها طريقاً ولا البدو. أدندن هناك على عودي وفوقي ألف نجمة«.

مايكل جاكسون، ركنه الى جانبه، بانتظار سائح لا يريد أن يصعد الدرجات الثمانمئة على رجليه، ويفضل الوصول الى صلبان البيزنطيين المنقوشة من القرن الرابع الميلادي على حمار. »يطرشق« عيسى بالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية بضع كلمات، يستشف منها جنسية السائح، فيخوض معه النقاش بطلاقة لغوية مدهشة. ثم يرشف الشاي مجدداً: »نحن من سلالة الانباط، نحن أصلاء هنا«، يقول.

»لا بد أنك تهذي، ها قد بدأت تفعل مثل اللبنانيين الذين تحبهم. يقول بعضهم أنه من سلالة الفينيقيين. يا أخي، لا شيء مضمون. الانباط الذين بنوا هذه المدينة من ألفي سنة رحلوا وانقطعت أخبارهم. هل بوسعك أن تبني معماراً أسطورياً كما فعلوا؟ بوسعك أن تبني خزنة أخرى؟ ديراً؟ ضريحاً؟

مدرجاً يسع سبعة آلاف شخص؟ تحفر ذلك في الصخر؟ إذاً، أنت من غير السلالة. لماذا لا تكون من أبناء المملكة العمونية. أبناء عمون. هذا أقرب الى المنطق«. ينفعل: لا لست من عمان. أنا ابن الجبل. ويصمت. لا يبدو عيسى راغباً بالإنصات الى دروس التاريخ. يهرب الى عوده مجدداً.

يركب الحمار ويمضي مرتجلاً الأغاني والألحان: »يا صاحبي ما فادنا كثر الأحلام«. يفك شفرات أغاني الجبل الملغزة ويمضي، فيما الجدة ترفع ابريق الشاي الأسود المتفحم عن الرماد: »هذا كيف البدو«، أخيراً تتكلم.