اسمه المعلّم صلاح، صاحب ورشة لتصليح »مقصات السيارات« في المدينة الصناعية في صيدا، على الجنوب الساحلي اللبناني. ورشته تحمل الرقم 1 في القاطع رقم 2 عند المدخل الشرقي لتجمّع الورش الصناعية الأقدم في المدينة. الى جانبها فوّال وشجرة صفصاف.

قال الطبيب أخيراً للمعلّم صلاح، الذي تجاوز السبعين بصلابة وتفاؤل لافتين، إن الصدمات الصوتية التي تعرضت لها أذنه الوسطى، طوال السنوات الماضية، أذابت السائل المسؤول عن ضبط توازن جسده، المربوع بعيون صغيرة مدوّرة تنوس أحياناً، فتحسب أنها اختفت، لتعود فتضيء كمصدر لطاقة ثاقبة، ما سبب له نوبات مستمرة من الغثيان والتقيؤ.

قال له أيضاً: »حان الوقت كي تتوقف عن النزول الى الورشة«. جلس وتذكر، ثم استغرب الأمر. كيف يجافي ورشته بعد كل هذا العمر من المودة، بعد أن »أنجبت« له تسعة أبناء دخلوا المدارس والجامعات وميادين العمل وتزوجوا وأنجبوا الأحفاد. وصار كل صباح، بعد الصلاة، يترضى عليهم ويفاخر بهم؛ إذ يطاولون قامته القصيرة بين جيرانه الصناعيين أبو السعد وأبو حسن و®®.«.

الورشة، التي أعادته من صحاري ليبيا والكويت وقطر، حين كان صبياً فتياً يدهش »معلميه« بنشاطه وحيويته وقدرته على الانبطاح أسفل الشاحنات العاتية لفك حديدها في أصعب الظروف المناخية.

حين الحرارة تخلّف على أراضي الورش المنصوبة في العراء ضبابها الذي كدخان اللهب يذهب بالعيون، وحين »الضب« الزاحف يبحث عن ثقوب يتلطى بها من عبق الجحيم، كان المعلم صلاح يصارع الحديد المكوي الأحمر، يدقه بالمطرقة التي تزن الكثير، يدكّه بالشواكيش الأصغر، ثم يطوّعه صانعاً منه »ريشة« جديدة »للمقص« المكسور. ريشة تعيد المركبة »مثل العروس« تتهادى على الطريق، لا تشغل بالها حفرة ولا يعيقها مطب: »ريشة تجعلها تسير كأنها تطير«.

لن أترك ورشتي. لن أعطّل فأتعطّل. أنا أفهم على الحديد والحديد يفهم عليّ أكثر من أي شيء آخر. لم أتخلّف عن عملي ولا يوم طوال أكثر من نصف قرن. كل شيء يعنيني في هذا المكان، أنا منه وهو مني. هذا الحديد المعلق على الجدران يحكي الكثير من القصص. الشحم الأسود و«الشحبار« الذي دخل الى شراييني واختلط بدمي، صعب عليّ اليوم أن أفصله من جسدي.

هناك، في تلك الزاوية مات أبو العبد وهو جالس على كرسيّه. تحت كعب الصفصافة دفنت وليدي الأول الذي لم تكتب له الحياة. أعرف كل الكائنات التي تدب في المدينة الصناعية من أعتى المعلمين الى أصغر العمال، حتى الجرذان التي تسرح في الليل داخل ورشتي أعرف لها اسماء.

هذا هو مكاني، من هنا ربيت أولادي الذين كبروا وسافروا ورؤوا الدنيا. كلهم نزلوا ذات يوم، وقت العطل الصيفية، تحت السيارات و»تشحبروا« (يضحك). الورشة، ذات الجدران السود، هي النافذة التي اطلوا منها على عوالم ملونة ونظيفة. ستظل، طالما حييت، نافذة مشرّعة ضد العجز والعطالة. وسأقول للطبيب إنني سأستمر بالنزول الى الورشة لافّاً أذنيّ بسماعات؟®®. أكتب ذلك يا بنيّ، فأنا معلّم والمعلمون لا يُهزمون بسهولة«!