البيت هادئ. هو، أصلا، هادئ على الدوام. رائحة القهوة باردة في نسيم بارد يهب من المكيف. لطالما كانت القهوة عابقة. موجودة قبله. قبل أن يرحل. جاء ووجدها. تعلم شربها في الصباح. وحين غادر بقيت. كأنه لم يأت. القهوة لا تتغير. البشر يتغيرون.
الظلال تصنعها الستارة. سميكة مخملية، ولطالما سأل إن كانت تكتنز الغبار؟ يمقتها مرات ويحبها مرات. يكرهها في الصباح حين يحتاج، كما زهرة دوار الشمس إلى النور لكي يحيا. وهي تخفيه. يزعجه النور اذا اقتحم نومه وأيقظه قسرا، لكنه في حال استيقظ، يبحث أول ما يبحث عن النور.
يتأكد أن الحياة لا تزال منتظرة على الشرفة، على حافة النافذة، وأنها ستحمله وتمضي به ليوم آخر. الستارة على حالها. مقفلة. منتصف الظهيرة. الشمس في الخارج تشتعل، لكن الستارة مستمرة في لعب دورها في صمت. ثمة من يشتعل وثمة من هو صامت.
تلك اللعبة الأبدية. أيهما قبل، هل الاشتعال ابن الصمت، أم الصمت وليد الاشتعال؟ بيضة أم دجاجة؟ هل الصامت سيئ والمشتعل بريء؟ أم العكس؟ أم أن لا بريء ومتهم هنا. الأهم أن نعي جمال الصمت وروعة الاشتعال. لكن الستارة لا تعي. لا تفقه. في مكانها تمارس وظيفتها. الستارة لا تتغير.
الكتب مرتبة. على الطاولة لا تحيد أنملة عن المربع المرسوم لها. تنمو عامودياً، لا أفقياً. يزيد عددها، كتاباً فوق كتاب، لكنها لا تتمدد عرضيا. على الفراغات أن تحافظ على اتساعها. وبوسع الفضاء أن يستوعب الجديد والطارئ. الأرض ليست له، الفضاء مسموح أن يتحرك فيه. يطير، يتذبذب، يتشظى، لكن على الأرض أن تظل دوما كما هي. المساحات تحافظ على اتساعها رغم قدوم زوار جدد وحيوات جديدة. معادلة صعبة لكنها ممكنة. معادلة ثابتة لا تتغير. الأرض ثابتة، تدور، لكن لا تتغير.
الخزانة مصنع حكايات. قصة معلقة فوق قصة. لا مكان لمشجب إضافي. المساحة أضيق من عدد القمصان وربطات العنق، لذلك فالقطعة فوق القطعة، ولكل منها حكاية. هل اندمجت الحكايات؟ هل، القطعة حين تحتوي قطعة أخرى، تكون قد اندمجت معها؟. ربما هي احتوتها فقط، إلى حين. ثم يكون لفظها سهلاً. ستظل القطع الأصلية، أبناء الخزانة الأصليين، معلقة في مكانها، وترحل القطع الاضافية. قطع الضيوف.
منصة الـ »آي بود« فارغة. الجهاز في الحقيبة. الكتب والأغاني ترحل قبلنا. نسربها الى الحقائب، نشدد رباطها، ثم نرحل. المنصة فارغة كأنها خشبة مسرح في الليلة الأولى لانطفاء الأضواء بعد موت البطل.
كأنها ساحة النغم التي لم تكتمل. هو، غالبا، لا يستمع الى الموسيقى في البيت. وقد يكون الجهاز مثبتا على منصته لكنه لا يديره إلا نادراً، ان اتسع وقت الصباح لصوت فيروز. في ما عدا ذلك يرافقه الجهاز على الطائرات، وفي النادي الرياضي، وعلى الشاطئ. المنصة فارغة، ولا تنتبه إلى غياب الجهاز، فهو غالباً، عليها، مطفأ، لا يصلها.
ثمة من رحل. لكن كل شيء على ثباته، فالرحيل ليس دائماً نقيضاً للثبات.
