وقفت متسمراً أمام التمثال. كنا على عجلة من أمرنا، الأبواب لم تعد تسمح بالدخول، أبقى الحراس على الموجودين فقط داخل الصالة الواسعة التي نثرت فيها أعمال فنية، من مجموعات خاصة لمقتنين، »وهبوها«، لأيام قليلة، لمعرض »فن أبوظبي«، في عرض متصل بعنوان »خلف الأبواب«.
كانت لوحة الفنان السوري لؤي كيالي »صيادون في أرواد« (1967) قد أخذتني بعيدا جدا، إلى خيالات وذكريات. شواطئ تمشيت عليها وأودعت أصدافها أسرارا وأمواجها هموما.
صيادون غنوا ورقصوا ولعبوا وبكوا. تذكرت شاطئ مومباي ومصورا التقط لي صورة فورية أصباغها باهتة. صيدا ورائحة القلعة. الاسكندرية وساندويش الكبدة الذي كادت »النوة« تطيره من بين يديّ في فبراير غاضب. لاهنش الايرلندية التي تركت شواطئها في مخيلتي صورا جميلة للصمت.
اللاذقية في رحلة خاطفة. ذلك الطفل الذي في لوحة كيالي يحمل قفته ويحدق فيّ، أعادني الى الواقع، وتنبهت أن الوقت يمضي ولا أزال متسمرا أمام لوحة واحدة.
ما كنت لأمانع. فأنا في المعارض الفنية، تعودت أن أكون نوعيا لا كميا. فلوحة أو منحوتة واحدة قد تكفي لكي تثري الخيال، وتحرض التفكير وتلهم الإحساس. لكن »ما وراء الابواب« لم يكن الأمر على هذه الشاكلة. »يأتي مفهوم هذا المعرض لإلقاء نظرة على الروح، لرؤية أشياء قد لا تبدو مرئية في الحياة الحقيقية والاحساس بها«، يرد في الكتاب- الدليل للمعرض.
وبالفعل، فإن وجود »بائعة جبن« المصري محمود مختار، جنبا الى جنب مع »فتاة بوشاح أحمر« لابن جلدته محمود سعيد، ورجل العراقي جواد سليم الذي يحمل فخارة نبات زهرية.
مع جوقة إسماعيل فتاح وتلك التي شكلها اللبناني بول غيراغوسيان. اضافة الى تصويرات الايرانية شيرين نشأت و»أقزام« عادل السيوي الخلابة و»حلم« صفوان داحول®. هذا التقارب الحميمي لتلك الأعمال، الذي يختزل الزمن والشكل والفكر، يهمس في الروح بكثير من الأفكار المبهجة والعميقة.
لكن أم كلثوم نادتني. منحوتة المصري العالمي آدم حنين البرونزية لم يسبق لي أن رأيتها على الرغم من أنها، وكما نبهني صديقي، عرضت قبل فترة في أبوظبي. أم كلثوم بكامل الكبرياء والسلطة، بلا ملامح، بلا وجه.
منديلها، تسريحة شعرها، أقراط أذنيها، بروشير على صدرها، هلال ونجمة، وتهدل متدرج لفستانها، في منحوتة برونزية خرجت من بين أصابع حنين في العام 2003. »يا الله، الى أين تأخذني هذه المنحوتة؟«، هتفت وأنا غير مصدق أن كل هذا التجريد، المتبدي في التمثال، لم يقو على تغييب ملامح الشخصية، بل هو جعلها ساطعة ومؤثرة أكثر، بتغييبها.
هذا يتخذ بعده المبدع حين تكون المنحوتة لشخصية أيقونية كما »ثومة«. حنين، الذي ينحت الضوء المخالج للمادة، وليس المادة فقط، يقول الكثير في هذه المنحوتة. بوسعك أن تقرأ فيها ما شئت عن الحب والجمال، والسلطة والمكانة، والغموض والوضوح. وقبل كل ذلك الحلم.
»أنا أنحاز دوما إلى الحلم، فأنا أحلم وأنا أعمل. الحلم بالنسبة لي هو بمثابة دبيب خاص، منه تتفجر شرارة الإبداع، كما يفتح أمامي دروبا لا تنتهي«، أحفظ عن حنين.
