لدى المصورين الصحافيين هوس دائم بالتقاط الصورة المختلفة. وفي الأحداث الكبرى، يرغب بعضهم، ممن تتوافر له معرفة صحافية، وليس فقط تقنية بحتة، أن يلتقط صورة تحمل خبراً. موقفاً.

مفارقة. الأسبوع الماضي، حملت إلينا صور الوكالات التي غطت مشهد المنتدى الاقتصادي بمراكش، الكثير من اللقطات التي تجسد المتحكمين بحركة الأموال في العالم، وفئة أخرى من اللقطات التي ركزت على المسؤولين عن نظافة العالم!

أعني الكناسين وماسحي البلاط. نشرت الصحف صور هؤلاء العمال على صفحاتها الأولى، أو ضمن مساحات واسعة ضمن التغطية الاخبارية للحدث. العامل في مواجهة نادرة، ديمقراطية، ووهمية مع الرأسمالي. لا يتسنى للاثنين أن يجتمعا على هذا القرب في أي مكان آخر.

ربما، فقط، في الحمامات، حيث ينتظر العمال ذوي ربطات العنق الفاخرة كي يناولوهم مناديل تنظف الماء عن ايديهم. ربما يحصلون على فكة »بقشيش«، وغالباً لا يتأتى لهم ذلك، اذ إن الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات العابرة للقارات لا يحملون »الكاش«، بل البطاقات الائتمانية.

في الصحيفة، في لحظة مزاجية وتجل مهني، يرغب محرر الصورة أو المحرر المسؤول بـ » تزيين« صورة الصفحة بلقطة للمنظف، يبدو فيها مستغرقاً بتلميع الواجهة الزجاجية وحفها، بينما شعار المنتدى يكاد يشع لشدة نظافته. المنظف مهموم في عمله. عليه أن يقوم به بأفضل طريقة.

بعد ساعات العمل، التي تقصر أو تطول بحسب القوانين التي تحمي العمال، وبحسب المدينة التي تحتضن الحدث (قوانين العمل في مراكش ليست كما جنيف بالتأكيد)®.

ينصرف الى زوجته، ويخبرها في الغرفة الضيقة التي تجمعهما مع العيال، في ضاحية منسية من المدينة، عن »الرجال العظماء الذين شاهدهم هذا الصباح يهرعون في الممرات، أو يستيريحون في الردهات، في ما يقدم إليهم ما لذ وطاب من الشراب®. كان يوما مرهقا بحق، وقد لامني مديري لأنني لم أنتبه إلى قطعة العلكة التي لصقها أحدهم في أسفل الطاولة«، يقول.

على الطاولة المديدة، يشعر الخبير المالي بالضجر من المحاضرة التي يلقيها زميل له قادم من خلف البحار. يقول في نفسه: »هذا محض هراء. يدّعي أنه يعرف أين تسير الأمور، وفي النهاية لا يحل الا الخراب«.

يبدو راغبا بتغيير مزاجه المعتل منذ الصباح، اذ إنه لم يتناول فنجان قهوته بعد. يسحب قطعة علكة من حقيبته. يمضغها ببطء، وبرغبة سرية بعدم كشف فعلته، تماما كمن يمضغ مخدرا في حضرة أبيه. أحدهم على الطاولة ينتبه. يرمقه بنظرة تشي بأنه يرتكب فعلا مهينا. يسحبها ببطء من بين شفتيه ويلصقها في أسفل الطاولة.

أتأمل في الصورة التي نشرت على الصفحة الأولى من الصحيفة. أنظر إلى عينيّ الكناس. أفكر في زوجته، في العلكة، في ماضغها، في الأدوار، في الحياة، في المزاج، في التناقض®. بينما العنوان يشير إلى: »قضايا الفقر في العالم تتعقد، بحسب خبراء في المنتدى«!

أرغب بعلكة.