شكراً لحفلات التوقيع. على الأقل، بوسعنا أن نعبر عن غضبنا، بصرخة أو حزام أو حذاء. بعد ذلك، قد لا نرى النور، اذ إن دهاليز المعتقل ستتكفل بتسريب الرطوبة والعفن إلى أجسادنا. لكن، على الأقل، نكون قد نفسنا عن الغضب، ففي كل الأحوال، نحن نتعفن.
شكرا للكاتبة ياسمين اليبهاي، التي ختمت مقالتها قبل أيام في صحيفة »اندبندنت«البريطانية بالعبارة التالية: »على العالم الثالث أن يعاني الويلات في حين أن الآخرين يكسبون ملايين الدولارات من خلال كتابة المذكرات عن القيادة الرشيدة«، في معرض حديثها عن الجرائم التي ارتكبت في العراق، على يد القوات الأميركية وحلفائها بحق المدنيين العراقيين، والتي كشف عن بعضها موقع »ويكليكس« مؤخراً.
وتقول الكاتبة إنه من المستبعد أن يمثل في يوم من الأيام جورج بوش أو توني بلير، وغيرهما من زعماء الحرب، أمام أية محكمة، لكننا سنظل نسمع الأخبار عن مشاركتهما في مؤتمرات ومهام عالمية يتحدثون فيها عن تجاربهما في إدارة الانسانية ومحاربة الشر ونشر الخير والديمقراطية والبهجة على عتبات البيوت في بغداد وفلسطين ودول »العالم الثالث«.
وهناك فيلم بديع لرومان بولانسكي، شاهدته العام الماضي لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وهو من الأفلام التي بوسعك أن تشاهدها مرتين، اسمه »الكاتب الشبح«، يتطرق فيه الى كتاب موظفين، خفيين، يقومون بكتابة القصص الشخصية للقادة، ويبقون في الكواليس، من دون أن يتعرف أحد إلى هويتهم، كما »الأشباح«.
وقد سبق ظهور الفيلم المليء بإسقاطات مباشرة على شخصية رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، حيث يكشف عن أجواء الخوف والجريمة التي تحيط بنشره كتاباً عن حياته الشخصية والمهنية. سبق هذا التصور إطلاق بلير لكتابه »رحلة«، كذلك لاستدعائه مرة أخرى للمثول أمام لجنة التحقيق في الحرب على العراق الخميس الماضي.
وحبذا لو تقوم دور النشر التي تشرف على طباعة كتب القادة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، بإصدار طبعات جديدة من هذه السير، مرفقة بملاحق عن »المفاجآت« التي يتلقونها أثناء حفلات التوقيع، والتي تبدأ من نكهة البيض، ولا تنتهي عند رائحة صباغ الأحذية. أو ملاحق من قبيل صور المدنيين من الرجال المقطعة أطرافهم، النساء المقطع شرفهن، والأطفال المقطعة رقابهم.
في حروب عبثية، أقل ما يقال فيها إنها حروب حاقدة، مرضية ومجنونة. وحبذا لو توقفت جامعاتنا وجمعياتنا الخيرية عن المساهمة في حملات »تبييض الوجوه« التي يقوم بها هؤلاء القادة من أجل محو الدم عن أيديهم، فتراهم تارة يلقون محاضرة عن المناخ، وتارة أخرى عن الجوع في إفريقيا، أو دعم أبحاث علاجات الإيدز والسرطان والأمراض المستعصية.
وحبذا لو استغللنا أقرب فرصة متاحة للقاء بأحد هذه الشخصيات، وقمنا، لا بضربه بالحذاء، بل إهداء باقة ورد مكتوب عليها: »هذه الزهور مستوردة مباشرة من تراب مقابر الأطفال في العراق، ولكم منا العذر لعدم وجود بطاقة معها مكتوب عليها أسماء المهنئين، اذ إن الموتى في العراق لا أسماء لهم«!
