بهجة السينما تلون فضاءات الخليج هذه الأيام. من مهرجان الى آخر، ومدينة إلى أخرى، يتسحب البريق، ويسري الحلم الذي تخلقه فينا مشاهدة الأفلام تحت جلودنا، فنطير ونسبح في السحاب قريباً من هامات الأبنية الأيقونية، تارة قصر الإمارات في أبوظبي وتارة برج خليفة في دبي.
ومرة ثالثة فوق كورنيش الدوحة. تتكرر بعض الأفلام، تتشابه بعض الوجوه، نحمل سيف النقد ونحارب به طواحين الهواء، كالدونكيشوتيين الذين يتوهمون أن حبهم للسينما يجعلهم في معركة مع صناعها.
ننسى أن تجاربنا حديثة العهد، بعضها استورد نموذجه من تجارب مهرجانات عالمية ومضى في تطويره و»توطينه« وجعله مفيداً للمصابين بلوثة عشق السينما في هذه المنطقة، بعضها الآخر لا يزال حديث الولادة، عمره لا يتجاوز الأربع سنوات، يحتاج الى وقت لكي يركز سيره ومسيرته، لكنه لن يتوانى عن إبهارك بكل ما أوتي له من مهارة، ومعرفة، إلى الآن.
ينسى النقاد، ومنهم من يمضي فبراير في قصر المهرجانات في برلين ومايو على شاطئ كان، وأيام أخرى بين البندقية والولايات المتحدة وهولندا®. ينسون أن معيار النقد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار حجم التجربة وتراكمها وبيئتها وفضائها وأدواتها المحلية. ليس بالامكان، في مطلق الأحوال، أن تتمشى في رواق السيتي سنتر في الدوحة، وتتوقع ان »ترايبيكا« في دورته الثانية هو ند لبرلين الدورة ستين.
ولا يمكنك أن تتجول في سوق الفيلم الطموح، المرافق لمهرجان دبي، وتظن أنك ستعقد صفقات في الصناعة السينمائية مساوية، كّماً ونوعاً، بتلك التي تعقدها في »كان«، ولا يجب أن تتعاطى مع طريقة التنظيم، رغم اجتهادها الواضح والمتطور هذا العام، في مهرجان أبوظبي وكأنك تتعاطى مع خطط البندقية التنظيمية.
لكن المهرجانات الثلاثة، رغم ان عمرها لا يزال أقل من عقد الواحد، قد رسخت ركائزها وعبرت عن تميزها، مقارنة مع أخرى متواجدة منذ زمن في القاهرة ودمشق وبيروت. هذا إنجاز بحد ذاته ولا يجب تجاهله.
كذلك ليس بالإمكان تجاهل الامكانات المادية التي تتحلى بها هذه المهرجانات، المدعومة من الحكومات، وهو الدعم الذي يتم توظيفه، ليس فقط في استقطاب نجوم الصف الأول من صناع الأفلام العالميين والعرب، ولكن أيضاً في تنفيذ مجموعة واسعة ومنوعة من البرامج الانتاجية والتدريبية واللوجستية والورش المعرفية التي يهتم بها كل من يرغب بتطوير قدراته في عالم الفن السابع.
وقبل عقد من الزمن لم تكن لتتخيل أن روبرت دينيرو سوف يقف قبالتك لكي يعطيك دروساً في التمثيل (كما في مشاركات له بمهرجان الدوحة هذا العام) أو أقطاب شركات الانتاج والتوزيع، التي صنعت أضخم الأفلام، سيكونون متوافرين لحديث ودي، وربما طويل، في ندوات »سيركلز« التي ترافق أبوظبي السينمائي.
أما دبي السينمائي، وبوصفه أقدم الثلاثة، فقد صال وجال كثيراً خلال السنوات السبع الماضية في كل فضاءات السينما ومحاورها، وزود كثر بخبرات ومعارف ولقاءات ودعم عالي المستوى.
الجانب المشرق يجب ألا يغيب عنا في تقييمنا، نحن محبي السينما، لتجربة مهرجانات الخليج، وهو ساطع الدلالات تماماً كشمسها المنيرة.
