أقرأ في كتاب »المخ البشري، مدخل إلى دراسة السيكولوجيا والسلوك«، للبريطانية كريستين تامبل، وقد ترجمه الطبيب النفسي المصري عاطف أحمد قبل ثماني سنوات وصدرت نسخته العربية من الكويت عن »عالم المعرفة«. الكتاب، لغير المختصين، عصي على القراءة السلسة. يحتاج، فعلا، إلى »حك دماغ«، لكن ما أن تتمكن من امتلاك مفاتيحه، سوف تجد نفسك في عالم مذهل.

القراءة عن المخ البشري، قدراته ووظائفه واتصاله بكل الأعضاء الأخرى، لا تقل متعة عن استطلاع حكايات العلماء والخبراء الذين حاولوا، على مدى العصور، أن يكتشفوا أسرار عمل المخ.

بعض هذه الحكايات يشوبه الطرافة، لدى التعرف إليه اليوم، وبعضها يثير الكثير من الأفكار الجدلية. فعلى سبيل المثال استوقفني اكتشاف العالم بيير بروكا، صاحب »حبسة بروكا« وهو الاسم العلمي الذي يطلق على المتلعثمين أو الذين يجدون صعوبة في النطق.

وفي نهاية القرن التاسع عشر اكتشف هذا العالم، حين كان يتعامل مع مرضى الأعصاب الذين يعانون صعوبة في الكلام أنهم مصابون بجلطات دماغية أحدثت تلفا في المنطقة اليسرى من الدماغ. الغريب، والذي لم أجد له تفسيراً في الكتاب، أنه لم يكن بمقدور أحد من أولئك المرضى أن يتلفظ بغير كلمة واحدة هي »يدبغون«!

ولا أعرف لما يدبغون تحديداً، وما إذا كان الأمر مرتبطا بدبغة الدم في التلفيف الأمامي الثالث من الدماغ، مكان التجلط. لكنني، قمت في مخيلتي باستعراض عشرات الوجوه التي يطلق على أصحابها اسم »خطباء مفوهون« من أهل السياسة والفكر والاقتصاد في عالمنا العربي، الذين أخاف من فرط انفعالهم وتفاعلهم العاطفي وهم يلقون كلماتهم الرنانة أن يصابوا ذات يوم ب»حبسة بروكا«، العياذ بالله.

ومما استوقفني أيضا هو أن قدامى المصريين قد توصلوا قبل آلاف السنوات الى حقيق اختلاف وظائف المناطق المختلفة في الدماغ وارتباطها بسلوكيات الأفراد.

فعلى أوراق البردى التي يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، مكتوبة تعليقات تصف وصفا دقيقا حالة مصابين بجروح معينة من بينها جروح الدماغ وتعليقات تشير إلى العلاقة بين هذه الجروح وبين فقدانهم القدرة على القيام بوظائف محددة.

وأعتقد أن مثيلات البردى التي اكتشفها أدوين سميث في الأقصر، والتي تكتنز الكثير من الأسرار، لا تزال مختبئة في مكان ما، تحت التراب، أو في الكهوف، أو في قصور وفلل أحفاد أثرياء كان لهم علاقات متينة بمهربي الآثار في القرن الماضي.

ومما عرفته أيضا أن الدماغ شكل محورا رئيسيا في الجدليات الفلسفية التي سادت القرون الوسطى ورغبت في البحث في نظرية الخلق والنفس البشرية، وحاولت أن تربط الروح بالدماغ »الأديان السماوية تناقض هذه الدراسات وتفيد أن الروح هي من خلق الله«.

لقد انشغل كثر من العلماء بالبحث عن موطن الروح، ووجدوا أن الدماغ، باعتباره يلعب دور المركز في حياة الإنسان، من حيث هو المتحكم بعملية الوعي البشري، فإنه لابد أن يكون للروح موطن فيه.

وبالفعل تجرأ البعض على القول إن الغدة الصنوبرية هي موطن الروح، فيما ذهب البعض الآخر إلى نقطة أخرى هي »الجسم الجاسئ«.

ibrahimt@albayan.ae