كان ذلك في نهاية سبعينات العام الماضي. سلمى الراضي، الصبية الثلاثينية، جذابة الملامح والحضور، تحدق في المنازل المتواضعة من خلف زجاج السيارة وتبدي اعجابها بين حين وآخر، لمضيفيها الذين كانوا ينقلونها الى تجمع يناقش مسألة انشاء متحف وطني في اليمن. الطريق، التي تبعد 160 كيلومترا عن صنعاء، تؤدي الى ردع، في الجنوب. في لحظة، صرخت الراضي وهي تناظر بناء:

» يا الله ما أروعه، علينا أن نحافظ عليه«. كانت تقصد مبنى مجمع الأميرية، الذي يعود تاريخه الى القرن الخامس عشر والمؤلف من جامع وقصر ومدرسة، كانت قد هوت وتحولت الى خرائب.لكن العراقية، التي ولدت في بغداد العام 1993 من عائلة متنورة (والدها دبلوماسي ووالدتها سعاد عباس مثقفة تسعينية اليوم)، لم تكن تعرف أن هذه الصرخة ستظل تتردد أصداؤها في حياتها، حتى اليوم الأخير، يوم السابع من أكتوبر الماضي الذي فارقت فيه الرمق الأخير على سرير بارد في نيويورك.

كانت رحلة دافئة، خيمت عليها شمس الصحاري، في العراق واليمن وسوريا وتركيا والكويت، ودفء التجارب في مصر ولبنان®. تلك المواقع التي جالت فيها خبيرة الآثار سلمى، حيث نامت في مخيمات العراء، واضطرت لأن تعيش محرومة لشهور من أبسط احتياجات المرء اليومية (من بينها توافر حمام نظيف)، من أجل أن تهدي، وفريق من زملائها، الانسانية ارثها الحضاري الذي ما فتأت تبحث عنه تحت التراب.

بعد عودتها الى بغداد، منتصف الستينيات، وفي يدها شهادة جامعية من قسم الدراسات الشرقية في جامعة كامبريدج العريقة، وتخصص علم الآثار من كولومبيا في نيويورك.»كل ما يتوجب عليك أن تفعليه هو حف التراب واتباع مسار خط الجص الأبيض«، هكذا قال لها معلمها دونالد هانسن، في موقع حفريات قلعة شالامنسير في نمرود بالعراق.

كان المعلمون يجدون فيها طاقة تنبض بالحياة، بالانتماء الى الحجر الباقي تجسيدا للانتماء الى الإرث الانساني، لكنهم ارادوها أن تتقدم شيئا فشيئا وتزاوج بين المؤهلات الاكاديمية و»رمال الواقع«. بعد سنوات تعلمت الحفر في مواقع الحجر الطيني في العراق أيضا. لكنها، في خضم حياة التقشف التي يعيشها علماء الآثار، والجدية الصارمة التي تسيطر على مهامهم، لم تنس يوما أنوثتها، لذلك كان توريد مرطبات البشرة ضرورة الى موقع الحفر!

في العام 1966، انتقلت الى دلتا النيل. في النهارات الضبابية والليالي التي يطن فيها صوت ذباب النهر، كانت، مع صديقتها، تتسليان في نسج القصص الخيالية عن شخصيات أسطورية مرتبطة ببيئة الدلتا، وقضاء السهرات ترويان هذه القصص المتسلسلة الى الساهرين.

بعد الحرب الأميركية على العراق، وتحديدا في العام 2005، كانت من ضمن اللجنة التي تحدت الصعاب الأمنية، وقررت، تحت البنادق الأميركية والمأجورين، أن تدخل المتحف العراقي، أو ما بقي منه، لكي تعد لائحة بخمسة آلاف قطعة هربت من المتاحف الاحد عشر الى أميركا وأوروبا. على سريرها البارد في نيويورك لعلها تذكرت صبية جميلة تضع الكريم على وجهها، فيشع فرحا وحياة تحت شمس الصحراء، قبل أن تقفل عينيها وتمضي.