أنا في الحقبة الاسمنتية. اذا رغبت هجوما، حذار أن تتفتت قبضتك. اذا رغبت خيرا، لا تدخل، ارسم »غرافيتي« ملون على الاسمنت. اترك اسمك وفراشة. سأراجع اللون والخط وأعاود الاتصال.
ان اشتقت إلى صورتي، احمل كاميرا، وانتظر خروجي المباغت من خلف جدار الفصل، وسجّل اللحظة. أنا في المرحلة الاسمنتية، لأنني غير راغب ألبتة بأن يتسرب أي شيء إلى داخلي. أي حلم، أي وهم، أي شعر، أي حقد.
اسمنتي®. غير مسلح. أنا لا أطلق الرصاص. ما اعتدت على ذلك، كما أن رائحة البارود تثير غثياني. غير مسلح، لكنني سأكون محصنا. مصفحا. قادرا على ألا أتفاعل.
لا أنطوي على حسرة، ولا يجرني فرح، كطفل يجره بالون ملون إلى فوق السحاب، كما في القصص القديمة. سأومئ ولا أعترض. سأومض ولا أشعل حريقاً. سأنسحب بهدوء الى أشلاء البهجة السارحة في أعماقي، وأعيد تجميعها، لكي أستمد الطاقة والحياة.
»حين تحتفظ بالطاقة في داخلك، سوف تجري المصالحة الأبدية مع الذات«، لا يزال صوتها يرنّ في أذنيّ. صوت قديم لامرأة مذهلة تقول إنها تعرف، التقيتها في مومباي الهند قبل سنوات. ربما حان الوقت للعمل بالنصيحة.
واذا كنت سلبيا، تطلق الشر والشرر، فلا تقترب من جداري. لا تقم عنده. لا تأكل وجبتك، ولا تجر مكالمة هاتفية، ولا تنقش اسم من تحب عليه، ان كنت تعرف معنى الحب، اصلا.
لا تقترب، فبيني وبينك يصبح الجدار، جدار فصل »عنصري«. فأنا منحاز الى الخير، وشوفيني للعدالة، وفاشي للمحبة، لذلك فأنا عنصري تجاهك!
الجدار سكينة. حياد. رمادي، كما بلوكات المباني السوفييتية. لا أبيض. لا أسود. سكينة لا تعرف الغضب. الغضب يدمر ما فيك. يجرك الى التفاهات. يشرذم طاقتك. يمعن في تشتيتها فلا تتجمع، ولا تتصلب، ولا تعينك على تلك المصالحة.
الاسمنت حين تحفه، لا يطلع الا الاسمنت. هذا واقعي. حقيقي. لماذا يتوجب عليك أن تحيا طوال الوقت بوهم حف الأشياء كي تلمع أشياء أخرى من تحتها؟ وهم تنقيب التراب عن بقايا الحياة. حف الإسمنت لا يظهر الا اسمنت، ولتسترح.
وعند جداري لا تنتظر، فإن انتظرت لن أصل. فأنا أيضا أنتظر. أنتظر شيئا ما، لا أعرفه. لا أعرف متى يصل، او ان كان يتحرك أصلا لكي يصل. لا تنتظر منتظراً!
