الحي: حي الأسى. السنة: سنة الألم. أبطال المشهد: صبية من روسيا. عجوز من فلسطين. الصبية شقراء متخففة الملابس، تضع منديلاً على رأسها، تحمل قدح يانسون وتقف عند الباب لاوية جسدها، دلالة على لا مبالاتها. تورب الباب. تكاد تصده، لكن العجوز، ابنة الثمانين، التي يكاد برد ديسمبر يشطر قلبها، الذي ملأته الأحزان والصدمات، تترجاها أن تمدها بغطاء. تحاول أن تفهمها بالإشارات، فيما ترتجف، أن لها أولاداً وأحفاد سيموتون الليلة من البرد إن لم تحن الروسية عليهم..
«كات» (قطع)، يصرخ المخرج البريطاني في وجه العجوز. يسألها أن تترجى أكثر. أن تبكي أكثر. أن تكون مؤثرة أكثر. لكن العجوز من فلسطين. أبية النفس، كريمة المنشأ، كما شجرة الزيتون، مباركة ولا تذل. إن ماتت تقطع من جذرها، بآلة حادة، بمنشار كهربائي، بحقد، وإلا فهي ماثلة، باقية، شامخة.
العجوز ترفض المذلة. ترمي حملها على الله، وتعود إلى البيت البارد. الغرفة الضيقة الموحشة، التي زجوها فيها مع عشرة من أفراد عائلتها، وفرضوا عليهم النوم على الأرض، بلا ملاءات أو أغطية، بلا منديل أو حطب أو يانسون. قبل أن تغادر حديقة البيت، حيث الروسية، تتفرج عليها الآن من خلف النافذة بحذر شديد، تلقي نظرة على شجرة التين المتجمدة. تتذكر أن تيناً من هذه الشجرة قطفته قبل شهور وذوبته في سكر وخبأته فوق الخزانة الزرقاء، في زاوية المطبخ، ولم يتسن لها أن تتذوقه أو تهدي منه الجيران. تنظر إلى شجرة التين وتذرف دمعة.
«هذه الشجرة شجرتي. وهذا البيت بيتي. والمعطف الذي أشحذه معطفي. والتين المعقود في المطبخ تيني. الصهباء التي تحتل البيت، غريبة، أتوا بها إلى بيتي لتضع منديلي على رأسها وتأكل زيتوني وتصد بابي في وجهي. أمري لله، سأعود إلى غرفتي الموحشة، في البيت الغريب، في معسكر الاعتقال، وأتجمد برداً وأموت، مع عيالي».
هذا ليس مشهداً تمثيلياً. هو واقع. حصل قبل أكثر من نصف قرن. في فلسطين. بين ليلة وضحاها. هجّر مئات الآلاف. دفعت بهم القوارب الى الشواطئ الموحشة في لبنان والأردن. وبقي البعض؛ في بلادهم مشردين. بيوتهم محرمة عليهم. يسيّجون لهم ملعب كرة القدم، في القرية، ويبقونهم «معتقلين» طوال النهار، ثم يعيدونهم في الليل، ليجدوا نساء ورجال غرباء، يرطنون بلغة غريبة، يشاركونهم غرفة المعيشة والحمام. عليهم أن يرضخوا، تحت سطوة السلاح: «تحول أصحاب البيوت إلى سارقين. يأتي الفلسطينيون تحت جناح الليل، إلى بيوتهم، لكي يسرقوا منها خبزاً وأغطية». «البيت الذي أصبح مكتباً حكومياً اسرائيلياً منقوش على جبينه «هذا من فضل ربي»، إلى اليوم. هذا بيت جدي الذي طرد منه».
«جدي الذي كان يحب الحياة ويقصد بيروت من حيفا يوم العطلة، بات يحتاج اذن خروج من حي العجمي للحي المجاور». «صحوت من النوم فاذا بالعالم قد تغير!». «حين فتحنا جامع دهمش، في 1996 ، كان الدم الأسود على البلاط متحجراً من مجزرة 1948 ».. الشهادات الكثيرة التي يرويها فلسطينيو الداخل في سلسلة «أصحاب البلاد» التي تعرضها الجزيرة كل خميس، تستحق تأريخها وتوثيقها بأكثر من شكل. روان الضامن صانعة السلسلة تستحق تقدير الجرأة والحرفية. تابعوه.
