عدت من مهرجان أبوظبي السينمائي محملا بصور وحكايات وحوارات ووجوه من عشرات الأفلام التي شاهدتها، مما قد لا تتسع له الذاكرة، ولا فرصة اعادة »تحميله« ( ريلود) في الكتابة.

بعض الأفلام الذي تطرق الى قضايا انسانية تتعلق بالعراق، حرصت على مشاهدته، رغم ايماني المطلق والمسبق أنها ستكون موجهة لأبعاد سياسية لا تكترث لضحايا الاحتلال الأميركي، وما جرى منذ 2003، بل لتسجل زمنا سابقا على هذه الحقبة، زمن صدام وظلمه واضطهاده. وبالفعل هذا ما شاهدته. يحتاج الغرب، والعالم تبعاً، إلى هذه النوعية من الأفلام، في هذا التوقيت تحديداً.

حين يصبح الخروج من العراق مهمة تشبه مغادرة بحيرة، كان الولوج فيها أشبه بالانسياب في حمام سباحة، فإذا بمحاولة الخروج منها تشبه محاولة الانجرار خارج مستنقع. لكنه ليس مستنقعا للطين، بل للدم.

تحتاج الآلة الدعائية الغربية الى تقارير تصدر عن منظمات انسانية تحكي عن التعذيب الذي تعرض له المعتقلون في السجون العراقية. لنضع خطاً هنا تحت »العراقية«.

لقد اشتبكت أجهزة الاستخبارات الأعتى في العالم في تفجيرات واعتقالات لأبرياء زجوا في السجون خلال الحقبة الأولى للاحتلال، ووقفت جنديات أميركا المريضات فوق أجسادهم العارية لالتقاط صور الاذلال والدونية البشرية، ونكشت عصا جنود بريطانيا في حدقات عيونهم، فيما الحذاء الجلدي الأسود يطأ موضع الفك وجمجمة الرأس، موطن العقل والروح، وسرحت الكلاب، وأطلق حراس أمن »بلاك ووتر« النار على صدور الأبرياء في ساحة النسر في بغداد، ودمرت بيوت، واغتصبت نساء، وشردت عائلات.

لكن كل ذلك العار، تريد منظمات مناهضة التعذيب أن تلصقه اليوم بمسؤولين عراقيين تسلموا السجون من المحتل. يشبه الأمر أن يأتي أحدهم الى بيتك النظيف المرتب، فيعيث فيه فوضى وتشويهاً، يكسر مرآتك وآنية منقوش عليها ختم الحضارة، ينكش وسادتك فتطير أحلامك وأحلام عيالك، وتتحول الى كوابيس لم تكن لتقرأ عنها في أساطير القدماء، يدس السم في مائك الجاري، والقيح في طهارة سجادتك، ويسرق الثلاجة.

ثم يخرج من باب بيتك ليعلن أمام الصحافيين المحتشدين على العتبة (لم يجرأوا أصلا على تجاوز العتبة)، أنه زار بيتاً متخلفاً وغير لائق حضاريا، ويجب »محاسبة رئيس البلدية عن الأجواء غير الصحية في البيت«!

يحتاج الغرب إلى موقع ويكيليكس. هذا ليس موقعا نضاليا يكشف عن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين. هذا راو، يراد إظهاره بالحيادي، يريد ان يؤرخ الرواية التي سيذكرها التاريخ. يثبت ما يريد ويمحو ما يريد. لو لم يكن »ويكيليكس« لجاء منقب آخر يبحث عن الحقيقة. الأفضل ان تقال الآن، أن يجري الحديث عن مئة وخمسين ألف ضحية، أفضل من النصف مليون، ربما.

علمتنا خبرتنا مع موجات المكاشفة الفجائية التي تأتي إلينا من الشمال، أنها محملة بالخبث اللازم للقضاء بشكل نهائي على أي أمل في محاسبة المجرمين. إنها محاسبة صورية تحمي ولا تعاقب. تكشف لكي تتجاهل. تماماً كما الأفلام التي يمولها الغرب وتحكي عما جرى في العراق.

ibrahimt@albayan.ae